.jpg)
كشف “الحزب المحظور” عن وجهه الحقيقي الذي غالباً ما أخفاه تحت ستار مقاومة إسرائيل. لكن، مرة بعد مرة، تُظهر مواقف وتصريحات مسؤوليه أنه يستخدم شعارات ضد إسرائيل، فيما أفعاله موجّهة ضد الداخل اللبناني، مستخدماً فائض القوة المتمثّل بسلاحه. وقد تُرجم ذلك خلال الأعوام الأخيرة بالهيمنة على المؤسسات الدستورية وتعطيلها أحياناً، أو الاستئثار بحقائب وزارية خلافاً لمبدأ المداورة، ورضوخ القوى السياسية في البيانات الوزارية لإدراج بند “المقاومة”، التي سخّرت لبنان واستقراره واقتصاده لمصلحة النظام الإيراني، إضافة إلى مصادرة قرار السلم والحرب.
لكن، مع انتخاب الرئيس جوزيف عون، وتكليف الرئيس نواف سلام، وتشكيل حكومة تتألف من وزراء أكثريتهم سياديون، اتُّخذت قرارات مهمة جداً على صعيد تعزيز حضور الدولة، نذكر منها القرارات بحصر السلاح في 5 و7 آب، وصولاً إلى قرار حظر النشاط العسكري لـ”الحزب المحظور”، الذي بات محظوراً رسمياً، ففقد كل حصانته التي تمتع بها على مدى أعوام طويلة، بعدما تاجر بورقة لبنان لمصلحة البازار الإيراني.
من المؤكّد أن هذه الحكومة نجحت، على الأقل، في فصل الدولة عن “الحزب المحظور”، لذلك فصلت إسرائيل أيضاً في حربها بين “الحزب المحظور” والدولة اللبنانية، فبقيت الأخيرة، بمرافقها ومؤسساتها وبنيتها التحتية، بمنأى عن القصف الإسرائيلي الذي يتركّز على كل ما يرتبط بـ”الحزب المحظور”.
لا شك في أن تموضع العهد والحكومة الجديدين باتجاه استعادة مقوّمات الدولة، وهو أمر بديهي، أزعج “الحزب المحظور” الذي شعر أن البساط يُسحب من تحته، فهدّد نعيم قاسم بحرب كربلائية ضد الداخل. وأخيراً، أدلى عضو المكتب السياسي في “الحزب” محمود قماطي بكلام خطير جداً منذ أيام، متوعداً في قلب البلد والحكومة، أو بما يُشبه الانقلاب بعد انتهاء الحرب، بل شبّه الحكومة اللبنانية الحالية بحكومة فيشي في فرنسا، ملوّحاً بأن مصيرها سيكون “الإعدام” الذي واجهه “الخونة” في تلك الحقبة، خاتماً كلامه بأن لصبر الحزب حدوداً.
هذا هو الوجه الحقيقي لـ”الحزب المحظور”، الذي حاول الفريق السيادي، من صحافيين وشخصيات وقوى سياسية، وفي مقدمهم “القوات اللبنانية”، تظهيره طوال الأعوام الفائتة. فهو جزء من أداة للمشروع الإيراني، لا قرار له مستقل، ولا ولاء للوطن اللبناني، ولا يهمّه لبنان من قريب أو من بعيد. وقد أحرقه مرات عدة بسبب مغامراته المدفوعة من إيران، وكل الكوارث والمآسي التي عاشها لبنان منذ عام 2005 وحتى اليوم كانت بسبب هذا “الحزب” الذي يتعاطى الإرهاب والأعمال الخارجة عن القانون أمنياً ومالياً.
الجديد اليوم أن “الحزب المحظور” نزع القناع، وبات مستعداً لمواجهة مفتوحة مع السلطات اللبنانية. وليست تهديداته إلا أوامر عمليات إيرانية، هدفها تغيير الصيغة اللبنانية التي تكرّست في استقلال عام 1943 أولاً، واتفاق الطائف عام 1990 ثانياً، واستبدالها بنظام جديد يقوم على الأكثرية العددية، معتمداً على سلاحه، قافزاً فوق طبيعة لبنان الذي لا يمكن أن يستمر إلا بالتعددية والشراكة المسيحية-الإسلامية والمناصفة، ولا يمكن أن يستمر بجيشين وسلاحين ودويلة داخل الدولة.
قد يكون “الحزب المحظور” سكر بفائض القوة الذي يتمتع به، وبات يعتبر نفسه أكبر من وطنه، والمؤسف أنه لم يقرأ تاريخ لبنان جيداً. وهو يخوض مغامرة جديدة في الحرب التي أعلنها في مطلع آذار، ستؤدي إلى إنهاء حالته العسكرية، ولا مفرّ من ذلك، مهما قاوم وصمد وأطال عمر سلاحه. وإذا نجح في الإبقاء على جزء من سلاحه، رغم أن الأمر شبه مستحيل لأن إسرائيل تفوقه قوة بأضعاف، فسيجد نفسه مجدداً أمام قرارات الدولة اللبنانية المصممة، بناءً على رغبة الشعب اللبناني، على إنهاء دوره المسلّح.
في الحقيقة، ليس “الحزب المحظور” من يحق له تهديد الحكومة، بل إن الحكومة يجب أن تتوعّد هذا “الحزب” بتنفيذ خطة نزع سلاحه من دون رحمة، لأنه سلاح شرّ وعامل أساسي في إرجاع لبنان إلى الوراء وعزله عن الأسرة الدولية. فالرحمة لا تجوز مع من رهن نفسه لمشروع لا ينسجم مع القيم الإنسانية والحرية وكرامة الإنسان وعيشه الكريم.
لعبة “الحزب المحظور” أصبحت مكشوفة. فهو يعرف أن نتيجة الحرب مع إسرائيل ستكون الهزيمة، وبالتالي سيبحث عن انتصار في الداخل بدل الضائع، لذلك يستدرج الفريق السيادي اللبناني إلى اشتباك، ولو على حساب السلم الأهلي، محاولاً انتزاع امتيازات، أقلّها الاحتفاظ بسلاحه. علماً أن الفريق السيادي، وفي مقدمته “القوات اللبنانية”، يعي بعمق مخطط “الحزب المحظور”، وقد أكّد رئيس “القوات” سمير جعجع أن حزبه لن ينجرّ إلى لعبته.
وما سيحصل، إذا أراد “الحزب المحظور” ممارسة العنف في الداخل لفرض مشيئته، أنه لن يلاقي طرفاً آخر يواجهه بالسلاح، لأنه ببساطة لا أحد يمتلك سلاحاً سوى “الحزب المحظور”. وستزداد استفزازات “الحزب المحظور” في مرحلة ما بعد الحرب، لكن مفاجآت عديدة ستكون بانتظاره، لأن هناك خطوطاً حمراء بالنسبة إلى السلطة السياسية مجتمعة، أبرزها السلم الأهلي. وإذا وقع “الحزب المحظور” في تجربة أو خطيئة الاعتداء على أي طرف داخلي، فسيجد نفسه في مواجهة مع الجيش اللبناني، مدعوماً من كل فئات الشعب، لإنهاء هذه الحالة الشاذة التي طالت كثيراً، ولو كلّفت تضحيات كبيرة في الدم والاقتصاد.
لا شيء يحرّك الجيش اللبناني والقوى الأمنية إلا تهديد السلم الأهلي. لذلك، من المستحسن ألا يُخطئ “الحزب المحظور” في الحساب كعادته، فيتواضع ويقوم بتسليم سلاحه. وبعدها يُصار إلى البحث، على البارد، في تركيبة سياسية جديدة للبنان، تركيبة تضمن سلامة المكوّنات اللبنانية إلى الأبد.
بانتظار لبنان مرحلة حاسمة، لكن لا عودة إلى الوراء، ولا فرصة لبقاء السلاح غير الشرعي. وسيكون أمام اللبنانيين مهمة كبيرة، وهي بناء وطنهم وفق معايير جديدة تحترم الإنسان وحقوقه وكرامته وقيمه.
