توليفاته" السنية تنهار وتقاتل ضدّه .. ولا يبادر لفكّ عزلته
فصول من العلاقة المتوترة بين "حزب الله" و"الجماعة"
من نافل القول ان ثمّة توتراً في العلاقة بين سُنة لبنان عموماً و"حزب الله"، ولا يكفي ترداد الحزب للازمة ان "الفتنة وراءنا" لتغيير الوقائع والمجريات. فالحال ان الفتنة السنية ¬ الشيعية قائمة وحاصلة في البلد، وعلى أساس من ذلك فان الحزب، في غمرة اندفاعته في مواجهة من يعتبرهم عملاء المشروع الأميركي ¬ الصهيوني، قطع كل خطوط الودّ ولم يترك له صديقاً في الوسط السني السياسي أو الحركي، لا بل ان ممارساته ومواقفه أحرجت حتى حلفاءه من السُنة الذين لم يحتملوا ما أقدم ويقدم عليه في غير منطقة من لبنان.
وفي استعراض سريع لما شهده لبنان من أحداث منذ جريمة 14 شباط 2005 الارهابية، وتحديداً منذ تظاهرة "شكرآً سوريا" الشهيرة في 8 آذار، لم يترك "حزب الله" فرصة للتجرؤ على الطائفة السنية ورموزها وثوابتها ومرجعياتها السياسية والدينية إلا وغامر فيها تارة بالاتهام وأخرى بالتطاول. وفوق ذلك لجأ الى القطع مع الحركيين السنة، وفي مقدمهم "الجماعة الإسلامية" لمجرد اعتراضها على أدائه الداخلي وفي الوسط الإسلامي تحديداً، لا بل هو سعى الى تشكيل وتحويل توليفات سنية تابعة له، لكن سرعان ما تركها أو التفّ عليها بحسب ضرورات مصالحه ووفق اعتباراته الخاصة.
والواقع ان أحداث بيروت في شهر أيار الفائت وما تلاها في البقاع وطرابلس وعكار، ولّدت احتقاناً واستنفاراً وتوتراً سنياً ضدّ الحزب، وبات من الضروي الاعتراف بوجود هذه المشكلة، بل والتحذير من استمرار الفتنة المتنقلة وخطورة تداعياتها على السنة والشيعة معاً خصوصاً وأنه لم تسجّل الى الآن أي مساع حقيقية من قبل الحزب إلى فكّ عزلته السنية، أو استعادة صورته كحزب مقاوم للعدو الاسرائيلي؟.
"الجماعة" ومسلسل الخيبات
وفي هذا الإطار، تحصي مصادر قيادية في "الجماعة الإسلامية" مسلسلاً من الفشل وخيبات الأمل في العلاقة مع "حزب الله"، وتورد وقائع كثيرة منها، انه غداة أحداث أيار المعروفة، وفي التفاف على موقف "الجماعة" الرافض للاعتداء على السلم الأهلي والعيش المشترك من خلال الاعتداء على بيروت وأهلها، عمدت قناة "المنار" التابعة للحزب الى إذاعة مواقف نسبتها الى المرشد العام لجماعة "الاخوان المسلمين" محمد مهدي عاكف مفاده أن "المقاومة اللبنانية هي الفيصل الوحيد الذي يحدد ما هو مصلحة لبنان ضد المشروع الصهيوني الأميركي". وبحسب القناة التي أذاعت الكلام مصوراً من دون صوت فإن المرشد العام اعتبر أن "صورة المقاومة ثابتة، وهي إن تأثرت فإن ذلك سيكون لمصلحتها". لكن سرعان ما انكشفت حقيقة هذا الأمر، مع إعلان المرشد العام عاكف أنه لم يدل بأي تصريح الى القناة المذكورة وأن موقفه مما جرى في لبنان متطابق تماماً مع موقف "الجماعة"، لا بل هو زاد بتأكيد احترامه للمؤسسات الدستورية الشرعية القائمة في لبنان.
ومن هذه الوقائع، بحسب المصادر نفسها، ترويج بعض وسائل الإعلام الممولة من "حزب الله" ان رئيس "جبهة العمل الإسلامي" فتحي يكن يتحضر لإعلان نفسه مرشداً لـ "الإخوان المسلمين في لبنان"، الأمر الذي سارع يكن نفسه الى نفيه نفياً قاطعاً.
أما ثالثة الوقائع فوثيقة التفاهم التي وقعها الحزب مع جمعية سلفية ولم تصمد أيضاً سوى أقل من أربع وعشرين ساعة قبل ان تنتقل الى عالم آخر.
في خلفية المشهد، تشير المصادر القيادية في "الجماعة" إلى أن الحزب وعلى جاري عادته في المكابرة وعدم الاعتراف بالأخطاء، لجأ الى تشكيل دائرة "للعلاقات العربية" بهدف التواصل مع الحركات الإسلامية السنية في العالم العربي وبهدف تسويق مواقفه ولتوفير غطاء إسلامي وعربي خارجي لمشروعه، وهو حاول التواصل مع جماعة "الاخوان المسلمين" في مصر وأذرعها الحركية في كل من السودان والأردن وغيرها متجاوزاً "الجماعة" بما هي الممثل الشرعي لـ"الاخوان" في لبنان.
وتروي المصادر أن باكورة هذه الزيارات كانت لمرشد "الاخوان" عاكف الذي وافق على الالتقاء بوفد الحزب بعد توسط من الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين محمد سليم العوا، وتقول هذه المصادر إن الوفد "حاول تسويق مواقفه مما يجري في لبنان لكن من خلال الإساءة الى موقف "الجماعة" من موضوعي المقاومة والوحدة الإسلامية". لكن المرشد عاكف وعلى خلفية تلفيق التصريح الشهير له بعد أحداث أيار لم يعط الوفد أي موقف، سيما وأن قيادات في الجماعة تداركت الموضوع وأوضحت خلفيات تحرك "حزب الله" وتداعيات أحداث ما جرى في بيروت، على اعتبار ان ما جرى لايمكّنه من الإبقاء على صورته كمقاومة ضدّ إسرائيل والتي على أساسها أحبّه الجمهور العربي والاسلامي.
توازياً، زار وفد الحزب السودان والتقى الرئيس عمر حسن البشير تحت مظلة دعم موقفه الرافض لمذكرة التوقيف الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية. لكن الوفد أثار ما كان أثاره في القاهرة، كما تكرر الأمر مع "اخوان" الأردن ومع حركة "حماس".
.. ومع "جبهة العمل" والسلفيين
هذه الوقائع لا ترى فيها المصادر القيادية في "الجماعة" جديداً، "فالحزب قرر منذ زمن اختراق الساحة السنية، ولم يعامل الحركات الإسلامية معاملة الند للند بل انه يحرص دائماً على إظهار فوقية واستعلاء غير مبرّرَين، إضافة الى اعتماده سلوكيات الشك والريبة مع كل من يتعامل معه" تقول هذه المصادر.
وتشير إلى ان هذه الالتباسات ما توقفت هنا، بل انسحبت على علاقة الحزب بإحدى أهم التوليفات التي صنعها في الساحة السنية، وهي "جبهة العمل الإسلامي" التي تعيش حالة من الضمور والتفكك نتيجة انكشاف صورتها وحقيقة دورها بعد أحداث أيار وما تلا ذلك وسبقه من انشقاقات داخل صفوفها. وفي مؤشر الى عمق الأزمة الداخلية التي تعيشها "الجبهة" تلفت المصادر الى أن يكن أصدر خلال الأسبوع الفائت أربعة بيانات باسمه الشخصي وليس بوصفه رئيساً لـ "الجبهة"، لكن الأمر الأبرز هو أن من أسباب حالة التوتر هذه هو "اكتشاف" الحزب أن عناصر تابعين لعضو قيادة الجبهة رئيس "حركة التوحيد" الشيخ هاشم منقارة شاركوا في مواجهات باب التبانة مع جبل محسن أي ضدّ الجهة التي يدعمها تدريباً وتسليحاً وتمويلاً وتغطية.
وتمضي المصادر في توصيف ما آلت إليه علاقات "حزب الله" مع الإسلاميين السنة، فتقول إنه نتيجة لكل ما سبق "تحول الحزب الى محاولة اختراق التيار السلفي، وهو ما تمثل بوثيقة التفاهم التي جرى الإعداد لها بعلم جهات سورية حرصت على دعم هذه الوثيقة لعدة أسباب منها ان دمشق لم تكن راضية عن افتعال مشاكل ذات بُعد مذهبي مع منطقة جبل محسن، وأنها على خلفية تمرسها في اللعب على التناقضات داخل المجتمع اللبناني أدركت أنه في حال كُتب لهذا التفاهم أن يستمر فبالإمكان استخدامه لتصوير الفريق السلفي الآخر الذي لم يوقع عليه باعتباره "سلفية تكفيرية" تريد تحويل لبنان إمارة إسلامية وبالتالي يمكن الإيقاع بينه وبين الجيش اللبناني"، ودائماً تحت ذريعة أن ثمة تياراً سلفياً معتدلاً يرفض الفتنة ببركة تفاهمه مع "حزب الله".
لكن للمفارقة فإن الحزب خذل المجموعة السلفية التي راهنت، بعضها بحسن نية والآخر مدفوعاً من جهات باتت معروفة، على صدق توجهاته في رفض الفتنة، وأولى مؤشرات هذا الخذلان كان إلغاء بند في الوثيقة كان ينصّ على الاعتذار من بيروت والعمل على ردم الهوة مع المسلمين في بيروت وترميم الوضع الناشئ بعد أحداث أيار، لمصلحة بند ينصّ على أن ينصر أحد طرفي الوثيقة الطرف الآخر "في حال تعرض أحدهما لاعتداء" وفي هذا الكلام ما لا يخفى على أحد مما يبعث على الشك في الغايات والأهداف.
وتشير هذه المصادر الى أن الأمين العام "للجماعة" الشيخ فيصل مولوي كان رأى في الوثيقة المذكورة "التفافاً حول موضوع الفتنة، لا رفضاً لها"، وأكد أن "هناك فتنة حقيقية بين "حزب الله" وأكثر اللبنانيين، وخاصة المسلمين السنة، ومحاربة الفتنة لا تكون إلا بدخول البيوت من أبوابها".
المراجعة مدخل المصالحة
المصادر القيادية في "الجماعة" إذ تعرض لهذه الوقائع، تؤكد في المقابل أنها "لا تتمنى ـ ولا تريد أصلاً ـ أن تستمر هذه العلاقة المتوترة وحال الانقسام في الساحة الإسلامية"، وتشدد على ضرورة وأهمية "رصّ الصف الإسلامي لمواجهة التحديات والتهديدات القائمة"، وتعول على لقاءات قريبة ستجمع قيادات من "الجماعة" و"الحزب" خلال شهر رمضان المبارك، وتأمل منها خيراً لناحية مراجعة الحزب لأدائه خلال الفترة السابقة وقدرته على الخروج من هوامش الفتنة التي رُمي بها لبنان.
وتخلص هذه المصادر الى تأكيد أن المطلوب من "حزب الله" أن يُراجع تجربته السنية وأن يستخلص منها الدروس والعبر ليخرج بما يؤسس لمصالحة إسلامية تكون مدخلاً لمصالحة وطنية، وإلا فإن خطر الفتنة السنية ـ الشيعية القائمة حالياً الى تفاقم .. فالمناورات وإن نجحت حيناً فإنها لن تصمد كل حين.