رواية سمير جعجع عن محاولة اغتياله ليست صحيحة لا جملة ولا تفصيلا.
ذلك ما تجمع عليه تعليقات 8 آذار، التي يبدو أصحابها أدرى منه بالوقائع. فهذه التعليقات يربط المستهدَف بينها ليستنتج مسار الحدث، بينما المخطِط يأخذها في الاعتبار عندما يأخذ قراره بارتكاب الجريمة، تماما كما يحضر حجج الغياب عن مسرحها.
ما اعتمده حلف 8 آذار، منذ اللحظة الأولى، كان تسخيف المحاولة، والتشكيك في وقوعها، إلى حد نكرانها، ووصفها ب"المزحة الثقيلة"، وتشويه مجريات الكشف عنها بزرع التساؤلات، سلفا، في مجريات التحقيق.وإذا كان السؤال التلقائي، هو من المستفيد منها، فإن السؤال الاستطرادي يكون من يستفيد من نكران وقوعها، ولماذا يلح على ذلك، إن لم يكن المستفيد واحدا.
ربما يكون المستفيد – الناكر على حق في أمر واحد، تسمح "مجهولاتي" الواسعة في مضمار القتل والسلاح، بتأييده فيه، وهو أن ما جرى ليس محاولة اغتيال. هو إنذار يقول إن صاحب القرار بالغدر قادر، لكنه يتمهل في التنفيذ، بدليل ما كشف التحقيق عن نوعية الأسلحة، والتحضيرات التي سبقت، وكيفية الرصد والمتابعة، والتقنيات العالية، والحماية اللوجستية، وخطة الانكفاء التي طبقت.
هي إنذار أكثر مما هي محاولة اغتيال، خصوصا إذا صحت المعلومات القائلة بأن المنفذين استخدموا الكومبيوتر في إطلاق الرصاصتين. والإنذار هو أقصى ما يستطيعه المعسكر المعادي للحريات والديموقراطية الممتد بين محيط لبنان وداخله، على الأقل، في المرحلة الراهنة. فهو اليوم لا يستطيع اكثر من أن يكشر عن أنيابه، ولا يجرؤ على العض، لمعرفته أنها قابلة للتحطم بسهولة، في الظروف التي تلفه من طهران إلى بغداد ودمشق، فملعب الراية، فيما إمتداده المحلي لا يناسبه سوى الاستقرار الداخلي، بدليل تمسكه بالحكومة الراهنة، حتى بدا استمرارها يبدو البند السياسي الوحيد في "ظهوراته" التلفزيونية المتكررة، منذ تشكيلها قبل أكثر من عام.
لا يخفف هذا الاستنتاج من هول الحدث، فهو كشف أن الإدمان على القتل وسيلة للحسم لما يتغير، منذ محاولة اغتيال مروان حماده نهاية 2004، ولم تكن كلها إلا محاولة من القاتل للخروج من مأزق سياسي لم يستطع الالتفاف عليه، سببه منطق الاعتدال الوطني الجامع لكل اللبنانيين الذي تمسك به شهداء 14 آذار .
ما شهدته معراب هو تحذير من الاعتدال المسيحي، في وقت يجهد النظام في دمشق لصبغ الثورة الشعبية بالطائفية،ليزعم حماية الأقليات، بينما حليفه، في "ملعب الراية" حوّل المقاومة إلى حالة طائفية أقلوية، كرسها بتحالفه مع طهران، أساسا، في وجه دولة الأقلية اليهودية في المنطقة. تماوج الأقليات يلبي حاجة اسرائيل التاريخية، وأوجد حلفاء واقعيين .
لأن سمير جعجع خارج هذا المنطق "استحق" الانذار.