.jpg)
لم يكن قرار الدولة اللبنانية بسحب اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل شكّل “انتفاضة سيادية” أطلقها الثلاثي (عون ـ سلام – رجّي) لتضع حداً لعقود من الهيمنة المتمادية لطهران على القرار الوطني. هذا التموضع الجديد الذي استند إلى “اتفاقية فيينا” لفرملة التدخلات الإيرانية الفجّة، حظي بمباركة دولية فورية قادتها باريس؛ إذ حيّا وزير خارجيتها جان نويل بارو “شجاعة” بيروت في استعادة هويتها من مغامرات “الحزب” التي جرّت البلاد إلى محرقة غير محسوبة.
وفيما انفجرت الضاحية الجنوبية لبيروت بصراخ تخويني من “الحزب المحظور” اتهم الوزير يوسف رجّي بـ”الانقلاب المتهور”، كشف هذا الهجوم العنيف حجم العزلة التي بات يعيشها المحور الإيراني في لبنان أمام إصرار الشرعية اللبنانية على استرداد “مفاتيح” البيت اللبناني؛ ممّن سطا عليها وعاث فساداً وخراباً ودماراً وموتاً فيه منذ عقود. لكن التعابير “الشعبية” التي انتشرت بالأمس بين الناس وعبر مواقع التواصل فور الإعلان عن “طرد السفير الإيراني”، من قبيل “رجّي رجّ الدني” و”رجّي رجّ السفارة”، تعكس تعطش اللبنانيين وتأييدهم لهذه القرارات السيادية اللبنانية التي انتظروها من دولتهم على مدى عقود ماضية.
هذا الاشتباك السياسي قوبل فوراً بـ”رسالة نار” إقليمية هزّت سماء كسروان، حيث اعترضت الدفاعات الجوية ـ التي رُجّح أنها تابعة للقيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”ـ صاروخاً باليستياً إيراني الصنع، سقط حطامه فوق بلدات ساحل علما وحارة صخر ومناطق جبلية. وبينما تضاربت المعلومات حول هدف الصاروخ ما بين السفارة الأميركية في عوكر أو قاعدة حامات العسكرية وصولاً إلى فرضية استهداف جزيرة قبرص، تتقاطع الخيوط والمعلومات لدى مختلف المراقبين، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، على تأكيد أن الصاروخ كان “رداً ميليشياوياً” مباشراً على طرد شيباني، ومحاولة ترهيب للعمق اللبناني الذي احتضن خيار الدولة.
غير أن رد رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع جاء ليحطم هيبة هذا التهديد؛ إذ سخر من توعد “الحزب” بقلب الحكومة قائلاً: “خلّي يحصّل بنطلونو بالأوّل”، مؤكداً أن المواجهة باتت مع إيران مباشرة التي تدير الميدان بمئات العناصر غير اللبنانية، ومطالباً بتحميلها فاتورة الدمار كاملة من “جيبها” لا من خزينة اللبنانيين، وبدء الدولة بإعداد ملف حول هذا الموضوع.
ميدانياً، يبدو أن إسرائيل التي تتحدث “لغة المنتصر”، باتت تفرض ستاتيكو جديداً يتجاوز كل المبادرات الميتة؛ فإعلان وزير الدفاع يسرائيل كاتس صراحةً عن فرض “منطقة أمنية” حتى نهر الليطاني ومنع عودة مئات آلاف النازحين، تُرجم ببدء مسح أحياء كاملة في بلدات الحافة الأمامية وتدمير جسور التواصل الاستراتيجي بين جنوب الليطاني وشماله.
هذا العزل الجراحي للجنوب، المرفق بأسر عناصر من “وحدة الرضوان” وفرار العديد منهم من المعركة وفق التقارير الدولية والعربية، يثبت أن إسرائيل تمضي في رسم حدودها بالنار بعيداً عن أي تسويات تقليدية.
المراقبون يشددون، على أن لبنان اليوم، العالق بين “فرضية خديعة الأيام الخمسة” للرئيس الأميركي دونالد ترامب وواقع “الأرض المحروقة”، يجد في انتفاضة وزارة الخارجية اللبنانية خشبة الخلاص الوحيدة؛ فإما أن تُكمل الدولة في تثبيت هذا المسار السيادي وتحصينه والتصدي بأقصى درجات الحزم لأي تحدٍّ إيراني ـ سواء أتى بالمباشر أو عبر أذرع طهران في لبنان ـ، وإما المخاطرة بإضاعة فرصة جديدة للتخلص نهائياً من الهيمنة والعربدة الإيرانية في لبنان عبر فرع فيلق القدس الإيراني في لبنان “الحزب المحظور”، عدا عن خسارة هذا الدعم العارم من الغالبية الساحقة من اللبنانيين، فضلاً عن دعم المجتمعين العربي والدولي.