تتقاطع نيران الميدان مع عجز الدبلوماسية في مشهد يُنذر بضياع الجغرافيا والهوية. فبينما يضج مجلس الأمن بالإدانات لاستهداف قوات “اليونيفيل”، يبرز الموقف الرسمي اللبناني في نيويورك كصرخة في وادٍ سحيق، محمّلاً “الحزب” مسؤولية جرّ البلاد إلى أتون حربٍ عبثية، ومطالباً طهران برفع يدها عن السيادة المستباحة. وعلى الرغم من الإشادات الدولية بـ”شجاعة” الحكومة اللبنانية في خيار التفاوض، إلا أن الواقع على الأرض يحكي رواية أخرى؛ فمبادرات بعبدا لم تجد آذاناً صاغية لدى إسرائيل بظل تجاهل إسرائيلي مطبق لمبادرة الرئيس جوزيف عون التفاوضية، وعلى وقع آلة الحرب الإسرائيلية التي تمضي في قضم الجنوب وتثبيت أحزمتها الأمنية، محوّلةً القرى الحدودية الصامدة إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية، وحيث تصبّ تل أبيب تركيزها المطلق على توسيع عملياتها البرية وقضم الجغرافيا وتثبيت “حزام أمني” عازل، يضع الجنوب اللبناني برمّته في مهب الضياع التاريخي.
مصادر سياسية متابعة، “على تواصل مع مراجع رسمية”، تعرب عن “سخطها” إزاء هذا “الجحيم الذي أدخل “الحزب” لبنان فيه مجدداً”، لافتة عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن “الميدان” الذي استدعى إليه “الحزب المحظور” إسرائيل، تحوَّل، بقرارٍ إيراني صرف وتحت مسمى “حرب الإسناد الثانية” ثأراً للخامنئي، إلى فخّ استراتيجي تهاوت معه كل سرديات القوة والصمود الزائفة. فبينما كانت الخطابات التعبوية تَعِد بـ”إيلام العدو” وبمفاجآت لم تُعدّ أصلاً، كانت الآلة العسكرية الإسرائيلية تستبيح الأرض والقرى في الجنوب والغارات المدمّرة والاستهدافات تصبّ على الضاحية الجنوبية والبقاع وقلب بيروت، وسط ذهولٍ شعبي من حجم الأكاذيب التي استُخدمت لتخدير الجمهور وتبرير مقامرةٍ أدت إلى تهجير مئات الآلاف؛ في رحلة نزوح قد لا تنتهي بالعودة.
والمفارقة السوداء، بحسب المصادر ذاتها، تكمن في أن نتنياهو وجد في “دعوة الميدان”، “فرصة ذهبية” لفرض واقع جيوسياسي جديد، معلناً صراحةً أن وقف إطلاق النار هو قرار إسرائيلي منفرد لا يخضع لتوازنات المحاور ولا بالحرب الدائرة على إيران، وهدفه تطهير ما يسميه “قرى الإرهاب” وتحويل الجنوب إلى أرض محروقة، تماماً كما هو الحال في غزة وسوريا.
على وقع هدير الدبابات التي وصلت إلى روافد الليطاني، تبرز مأساة القرى الحدودية الصامدة، ولا سيما القرى المسيحية؛ التي يصرّ “الوكيل الإيراني” على تحويلها إلى دروع بشرية ومنصات لإطلاق الصواريخ، في محاولة يائسة للاحتماء بخصوصيتها الديموغرافية وتجنب الضربات.
هذا السلوك استدعى تحذيرات إسرائيلية صريحة طالبت الأهالي بطرد عناصر “الحزب المحظور” لتفادي دمارٍ شامل يلوح في الأفق، خصوصاً بعد الكشف عن بنى تحتية عسكرية تحت دور العبادة كما حدث في الخيام.
في خضم هذا الانهيار، لا تُخفي المصادر شعورها بالغصة والخجل إزاء ما يشعر به الأهالي في رميش وعين إبل وجوارها من “مرارة الخذلان”؛ فهم العالقون بين مطرقة التوغل الإسرائيلي وسندان صواريخ “الحزب المحظور”، يجدون أنفسهم اليوم بلا حماية شرعية بعد انسحاب وحدات الجيش من مراكزها الحدودية، موجّهة تحية “إجلال وإكبار” لأهالي هذه القرى، إذ في “هذه اللحظة المفصلية للتاريخ، صرخة كاهن رعية رميش، الأب نجيب العميل، جاءت لتجسد الرمق الأخير من الكرامة الوطنية، بإعلانه قسم الوفاء للرعية والأرض: “يا منموت كلنا وبتروح ضيعتنا، يا منعيش كلنا وبتحيا ضيعتنا وضيعنا”، في موقف بطولي يختصر حكاية شعب قرر الصمود وحيداً في وجه غطرسة الخارج وعجز الداخل وضياع القرار السيادي.

