.jpg)
بينما تنشغل كواليس الدبلوماسية الدولية في “إسلام أباد” بهندسة تفاصيل “هدنة الأسبوعين” التي “منحها” الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران، يصحو لبنان على حقيقة مُرّة لا تجمّلها الدبلوماسية أو الكلمات “المنمَّقة”: هذه نتيجة تردد “البعض” و”النوايا الطيبة”، وعدم تحمل المسؤولية الوطنية تجاه مَن جوهر مشروعه من الأساس يقوم على إبقاء لبنان مجرد “ساحة” في خدمة المحور الإيراني، وهدفه النهائي ابتلاع لبنان وإلحاقه بهذا المحور بالكامل.
للأسف، هذه هي الحقيقة المرّة من دون تجميل، بحسب مصادر دبلوماسية “مخضرمة”، تؤكد أن لبنان يبقى، حتى إشعار “دولتي حاسم”، ساحة للعربدة الإيرانية من خلال أداتها المحلية “الحزب”، وساحة مقتطعة من حسابات التهدئة، مكشوفة تماماً أمام آلة الحرب الإسرائيلية التي لا تهدأ، لافتةً إلى أن موافقة تل أبيب على تعليق غاراتها ضد العمق الإيراني لم تكن في القراءة الجيوسياسية سوى صك استفراد بالساحة اللبنانية المتروكة لقدرها، وموقف بنيامين نتنياهو فور الإعلان عن وقف إطلاق النار مع إيران حمل ملامح ضوء أخضر أميركي لإطلاق حرية التصرف في لبنان.
المصادر تشير عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتصريح بنيامين نتنياهو في هذا السياق، جاء ليقطع الشك باليقين، بأن لبنان مستثنى من أي وقف لإطلاق النار مع إيران؛ وهو ما ترجمه الجيش الإسرائيلي ميدانياً، بتأكيده أن تصفية الحساب مع “أدوات إيران” في لبنان مستمرة بمعزل عن الهدوء المؤقت، لأسبوعين، على جبهة “الأصيل” في طهران.
وبكل ألم وأسف، هذا ما نشهده منذ أمس الأربعاء، حيث أطلق الجيش الإسرائيلي اسم “الظلام الأبدي” على حربه ضد “الحزب المحظور”، وانهالت “شلالات النار الإسرائيلية” على بيروت والجنوب والبقاع بسلسلة غارات حصدت حتى إعداد هذا المقال أكثر من 250 قتيلاً فيما ناهز عدد الإصابات الـ1.200 إصابة، وعدد منها على أبنية سكنية مدنية بالكامل حيث بات “الحزب المحظور” يلجأ ويتخفى بين المدنيين.
المصادر ترى، أن هذا التناقض الصارخ بين “الهدنة الإقليمية” المبرّدة وبين “الجحيم اللبناني” الذي يستعر أكثر، يعيد طرح السؤال الوجودي الذي يتهرب منه “البعض”: كيف نكسر حلقة التبعية التي تجعل من لبنان وقوداً دائماً لمشاريع غريبة عن نسيجه وهويته؟. فالحقيقة التي لا تُحجب بغربال البيانات الرسمية “المنمَّقة”، هي أن لبنان سيبقى رهينة جولات عسكرية مفتوحة، ينتقل فيها من دمار إلى دمار، طالما بقي قرار السلم والحرب مصادراً لصالح مشروع “الولي الفقيه”.
وتشدد المصادر، على أن الرهان على “هدنات هشّة” لا تعالج الأسباب البنيوية للصراع، هو ضرب من الوهم ودوران في حلقة مفرغة، إذ لا يمكن لبلد أن يستعيد هيبته أو يبني مستقبلاً لأجياله وهو يتحول بقرار من فصيل مسلح إلى “منصة إسناد” دائمة لسياسات طهران، ضارباً عرض الحائط بالدستور والقانون والقرارات الدولية والمواثيق الوطنية، من الـ1701 وصولاً إلى خرق اتفاقات 2024 وإطلاق حروب الإسناد للمحور، متجاوزاً ومنقلباً على خطاب القسم والبيان الوزاري وقرارات مجلس الوزراء؛ التي يعلن تكراراً أنها ليست سوى حبر على ورق.
المصادر تؤكد، أن المدخل الوحيد لمنع تجدد الحروب واستدامة الاستقرار في لبنان، هو استعادة الدولة لقرارها “المخطوف” من المخابئ والأنفاق، وبسط سلطتها الكاملة والوحيدة على كل شبر من أراضيها”، مشددة على أن جوهر قيام الدولة يبدأ من احتكار السلاح ونزع مخالب “الحزب” وسائر الميليشيات الخارجة عن القانون التي تستدرج الموت والخراب على امتداد الجغرافيا اللبنانية، وصولاً إلى الشقق السكنية والبيوت الآمنة. فلا استقرار مع أي سلاح غير شرعي يقرر الحرب ساعة يشاء، ولا سيادة مع تحول المدن والقرى والبلدات إلى منصات للصواريخ الإيرانية، بينما تكتفي السلطة الرسمية بالبيانات والمواقف “الرنّانة”، والتي قد تكون جيدة على مستوى الكلمات، لكنها على أرض الواقع، من حيث تدري أو لا تدري، أو من حيث العجز أو التخاذل، تضع الدولة في موقع أقرب إلى “شاهد الزور”.
تضيف المصادر الدبلوماسية: “إن وقف هذه الحرب المدمرة يستوجب اليوم تجريد طهران من أدواتها التخريبية في لبنان، واستغلال لحظة “ضرب الحديد وهو حامٍ” لتنفيذ قرارات الدولة اللبنانية السيادية، من دون أي تردد، بدلاً من ترك المواطن اللبناني يدفع وحيداً ضريبة هذه “التبعية” القاتلة لـ”الحزب” لطهران، والتي لم يجنِ منها لبنان سوى الرماد والدموع”.
“هذا هو واقعنا المرير اليوم نتيجة ارتهان القرار الوطني للخارج. فهذا “الجحيم” الذي رمانا به “الحزب” وهذه المأساة، ليسا سوى النتيجة الحتمية لما حذر منه الكثيرون طوال أشهر من أننا سنصل إليه، ما لم تحزم الدولة أمرها وتتحمل مسؤولياتها. واليوم، وبينما يتفاوض الكبار في إسلام أباد على مصالحهم الاستراتيجية، يبقى اللبناني تائهاً، نازحاً، وممنوعاً من العيش في منزله، وضحية لمشاريع “موت” عابرة للحدود، بانتظار لحظة سيادية شجاعة تكسر حلقة التبعية وتستعيد الدولة من براثن “الساحة” المفتوحة على كل الاحتمالات إلا احتمال الأمان”، تختم المصادر الدبلوماسية.
