#adsense

القصة الحقيقية لبطلة التايتانيك اللبنانية!

حجم الخط

 

كتبت مرلين وهبة في صحيفة "الجمهورية":

الحقائق المثيرة التي تكشفت عن الباخرة «التي لا تُحرَق ولا تُغرَق» بعد مرور مئة عام على غرقها قد تفاجئ العالم عموماً واللبنانيّين خصوصاً، أمّا أبناء قرية حردين التي كانت قد أغنت الباخرة المنكوبة بشبّانها العشرين، فيجب أن يقفوا بإجلال وخشوع في الذكرى المئوية لغياب أحبّائهم بعد كشف الطريقة المجيدة التي استقبل فيها أولئك الشجعان الموتَ بعنفوان وفرح، ولا سيّما منهم نجمة رحلتهم «روز» بطلة فيلم الـ Titanic التي تشير الوثائق والرسائل الموثّقة إلى أنّها ربّما تكون «زهيّة» اللبنانية الحردينيّة!!

أمّا القصة فتبدأ من الحقيقة التي لا تُحرَق ولا تُغرَق… والتي كشفتها رسائل سيلانة وأمينة الحردينيّتين (نسبة الى بلدة حردين) الناجيتين من الباخرة. وكانت أمينة قد زارت لبنان بعد غرق السفينة وأخبرت أخاها وأولاده عن الحادثة، أمّا أختها سيلانة وهي عروس فبكت عريسها لسنوات طوال بعدما قضى غرقاً مع أبناء قريته، وأخبرت عن اللحظات النهائيّة لغرقهم كم كانت مجيدة ومؤثّرة: "رفعوا وجوههم إلى فوق ليشاهدهم كلّ من كان حولهم، خصوصاً أولئك الناجون في قوارب النجاة الذين أسرَهم المشهد ودُهشوا لصلابة أولئك الشبّان" حسب ما روت في إحدى رسائلها، مضيفة: "قبل أن يُقطع الحبل وتسقط قوارب النجاة إلى المياه، ويختفوا عن الأنظار".

وبعدما روت سيلانة قصّة نجاتها وكيف تأثّرت بفقدان عريسها الذي بكَته لسنوات طويلة، قالت لأخيها المقيم في حردين ولأبناء قريتها كيف ماتت العروس زهيّة وهي المرأة الوحيدة التي قضت مع حبيبها بطرس بعدما رفضت النجاة بمفردها، وكان ضبّاط الباخرة قد أرغموها لثلاث مرّات على النزول إلى قارب النجاة، لكنّها في كلّ مرّة كانت تعود الى سطح السفينة لتعانق عريسها بطرس بعد أن وُعدا بإقامة حفلة كبيرة احتفاء بعرسهما على سطح التايتانيك.

أمّا بطلتنا فقد هربت للمرّة الثالثة بعدما شاهدت بأمّ العين كيف يغرق ركّاب السفينة، ولما نظرت إلى عريسها بطرس ورأت المياه تغمر رقبته رمت بنفسها إلى البحر أمام دهشة الجموع بمن فيهم ضبّاط السفينة ولفّت ذراعها على عنقه وصرخت مطلقة جملتها الشّهيرة الّتي سمعها ركّاب السّفينة وتناقلها أبناء حردين في الوطن والمهجر: "إمّا أن نموت معاً أو نحيا معاً". وكان أن غرقا معاً.

وتقول رسائل أولياء الناجين من الولايات المتّحدة ومن مدينة ويلكسبوري في بنسلفانيا إنّ قصة فيلم التايتانيك تشبه الى حدّ بعيد قصّة زهيّة، ولا سيّما المؤرّخ الأميركي اللبنانيّ الأصل ألبرت ألبرت الذي لا يستبعد أن تكون بطلة الفيلم التي سمّاها المخرج الاميركي اليهودي الأصل جايمس كاميرون "روز" في الفيلم قد فعل هذا ربّما لدوافع سياسيّة بعد أن بدّل جنسيّة البطلة وعدّل نهاية الفيلم ليقول إنّها نجت حسب ما روت سيلانة في رسائلها الى ذويها في لبنان مؤكّدة الحادثة، وكذلك روت أيضا لصحافيّين أجانب كلّ تفاصيلها، والمؤشّرات تؤكّد أنّ هذه التفاصيل ربّما استُعمِلت وقد تلاعب بها منتجو الفيلم لتتلاءم ومجتمعاتهم. سيلانة التي توفيت في أميركا لا تزال رسائلها وصورها وإثباتاتها لدى أوليائها وأنسبائها في لبنان تؤكّد أقوالها. كما أنّ الشاب مبارك الحردينيّ وشمّاس البطريرك الحويّك والذي كان قد نجا من الغرق هو أيضا روى تفاصيل الحادثة مثلما روتها سيلانة وأمينة ومثلهما كتب المؤرّخ اللبناني رفيق باسيل في كتابه "حردين سيرة البطولات والدين"، وأشار فيه الى "زهيّة" الحردينية"، وأكّد بعد تقصّي الحقائق من الناجين ومن أوليائهم أنّ فيلم التايتانيك يشبه إلى حدّ بعيد قصّة العريسين بطرس وزهيّة.

قصّة الرّحيل من حردين

كانوا عشرين رجلاً وامرأة وطفلاً وبدأت انطلاقة أهل حردين عبر البحر منذ القرن التاسع عشر وبعد أن تجاوزعدد مغتربي هذه القرية المئة في مدينة ويلكسبوري في بنسلفانيا بعثوا برسالة الى أهالي بلدتهم حردين يقولون لهم فيها: "إحضروا إلينا لقد هيّأنا لكم مكانا للنوم وآخر للعمل نحن في انتظاركم". وفي ربيع 1912 تجمّع عدد من رجال القرية بصحبة النساء والعرائس والأولاد والاطفال على أحد ارصفة مرفأ بيروت ليبحروا إلى مرفأ نيويورك. كانوا عشرين قرويّاً موعودين وواعدين بالثروة، ودّعوا قريتهم وانطلقوا".

الفستان أنقذ مبارك

مبارك وحده من بين 12 شابّاً حردينيّاً لمعت دموع فرح النجاة في عينيه، لأنّ امرأة أجنبية اسمها "فضة" عطفت على شبابه عند نزولها في قارب الإنقاذ، فخبّأته تحت ثوبها الفضفاض وبالقرب منها كانت تمام بنت ضيعته التي حرصت على إخفائه، إلى أن وصلوا جميعاً بخير. كان يومها في الرابعة والعشرين من عمره، وعاش بعدها في الولايات المتّحدة حتى 3 شباط سنة 1952. وظلّ دائما يردّد ما كان البطريرك الحويك يقوله له بأن يعدل عن فكرة السفر ليبقى برفقته منشداً في الاحتفالات الرسمية والقداديس. وكان يروي على سامعيه وللصحف ووكالات الأنباء الاميركية والاوروبية تفاصيل تلك الليلة الرهيبة من مساء نيسان 1912 خصوصاً قصّة أولئك الشبّان الجبليّين من قريته الذين جابهوا الموت بإيمان ثابت وبطولة نادرة أدهشت الركّاب والبحّارة، حين ركعوا وصلّوا طالبين رحمة الله وشفاعة ابن بلدتهم الأب نعمة الله، ثمّ بعد أن ودّعوا النساء والاطفال صاح احدهم "دبكة يا شباب" فوقف 11 شاباً في صفّ واحد متماسكين بالأيدي متراصّين متلاحمين بالأكتاف، وراحوا يدبكون على أنغام "مجوز" أحدهم منشدين بصوت واحد مردّدين "عالدّيها، الدّيها، الدّيها العصبة انحلّت، شدّيها.." فتحلّق حولهم السامعون مصفّقين لشجاعة البريء المحكوم بالموت الى أن غابوا عن عيون الناجين الى المصير المحتوم على نغم المجوز و"الدّيها" دابكين وأيديهم مشدودة بعضها ببعض الى أن انحلّ رباط عصبتها في غمار اليم.

أسعد أنقذته أميركيّة

تمام أو تلما وطفلها الرضيع أسعد عاشا مأساة التايتانيك في تلك الليلة المشؤومة حين اجبرت تمام على ترك طفلها مع عمّه شليطا (شارلز) لكي تتمكّن من الصعود الى قارب النجاة، ولكن حدث ما ليس في الحسبان، إذ إنّ القارب أُنزل على عجل الى عرض البحر قبل ان تتمكّن من استرجاع رضيعها.

وفي أثناء إبحارها بعيدا عن التايتانيك، رأى سلفها شليطا امرأة تصعد الى أحد القوارب فما كان منه إلّا أن ناولها أسعد لإنقاذه من الموت المحتّم، وبالفعل احتضنته تلك المرأة الاجنبية الى حين وصولها مع الناجين الى مركز المعالجة في نيويورك. وهناك كانت تمام تندفع بين الناس باحثة عن ولدها حين لمحت إحدى الممرضات حاملة طفلها أسعد فصرخت: "هذا هو ابني" لأنّها عرفته من الغطاء الذي كانت تلفّه به. وبعد ستّين سنة على إنقاذ أسعد وغرق عمّه شليطا، ظهرت تلك السيّدة المجهولة في اليوم نفسه 14 من نيسان عام 1972، في ذكرى غرق التايتانيك، عندما أثار أحد الصحافيّين ديفيد دو كوسمو في إذاعة "وايلك" في "ويلكسبوري" قصّة تمام وبثّها على الهواء في مقابلة معها. وهذا الصحافي في هذا اليوم بالذات كان جالساً أمام محطّة تلفزيون "ان بي سي" يحضر عرضاً عن الذكرى، سمع خلال مقابلة مع الاميركية ادوينا مكنزيا (85 عاما) التي روت خبر إنقاذها طفلاً رضيعا لم تره بعد الحادثة منذ صعودها الى سفينة الانقاذ "كاراباتيا"، فما كان من الصحافي إلّا أن أجرى الاتّصالات اللازمة لجمع العائلتين: الحردينية بشخص تمام التي بقيت حيّة حتى عام 1976 عن ثمانين عاماً، والاميركية بشخص أدوينا التي توفيت في 1983 عن 98 عاما.

جورج أنقذته خالته العروس

بدورهما سيلانة (سيلين) العروس ـ الأرملة وشقيقتها أمينة ظلّتا ترويان تفاصيل تلك الليلة المشؤومة بحسرة وحزن كبيرين سنوات طويلة امتدّت الى ما بعد 14 نيسان.

سيلانة كانت في الخامسة عشرة من عمرها عندما تزوّجت الشاب الوسيم وصاحب الصوت الرخيم انطوني يزبك الذي أتاها من ويلكسبوري. بعد العرس في حردين عادا معاً على ظهر التايتانيك التي "لا تُحرَق ولا تُغرَق" ومعهما شقيقتها أمينة وولداها. عندما اصطدمت التايتانيك بجبل الجليد، كانت سيلانة في طبقات الدرجة الثانية، أمّا أمينة وولداها فكانا في الدرجة الثالثة، فسارعت سيلانة وانطوني اليهم وحمل كلّ منهما ولداً وصعدوا إلى سطح السفينة. وعندما أمر الضبّاط النساء والاطفال بالصعود الى القوارب من دون الرجال أبت سيلانة ترك عريسها، فما كان من أحد الضبّاط إلّا أن صوّب مسدّسه نحو العريس لكي يعطي الطّفل لسيلانة وأوهمها فيما كانت تنتحب بأنّ عريسها سيصعد في قارب آخر، لكنّها لم تره مطلقا بعد تلك اللحظات الأليمة، لينقطع بعدها الحبل فجأة ويسقط قارب الإنقاذ الى سطح الماء وسيلانة مغمى عليها، الى أن وجدت نفسها بعد منتصف تلك الليلة وقد اُنقِذت من الموت بأعجوبة وعلى صدرها جورج طفل شقيقتها امينة.

سيلانة التي صار اسمها في اميركا سيلين وصلت بعد ذلك الى ويلكسبوري – بنسلفانيا حيث للحرادنة جالية تعود جذورها الى أواخر الثمانينات.

أمّا أمينة فقد روى ولدها "دان" الموجود في ويلكسبوري بعد نجاتها من الغرق، أنّ خالته سيلانة كانت تخبره بما جرى مفتخرة بأبناء قريتها وبأنّ شقيقه الأكبر جورج قد أنقذته هي عندما كان ضبّاط الباخرة يرغمونها على النزول الى زورق النجاة لأنّها كانت مصرّة على البقاء الى جانب عريسها، إلّا أنّها في أثناء عراكها معهم رأت جورج يتخبّط في المياه وهو بلباس النجاة فانتشلته بمساعدة مَن معها وضمّته إلى صدرها. وفي هذا الوقت كانت أمينة أمّه قد أُنزلت الى زورق قريب وهي قلقة على مصير ولدها الثاني حليم الذي كان أحدهم قد أشفق عليه وألبسه ثياب النّجاة فأنزله أحد البحّارة في الزورق إلى أن كان اللقاء على سطح الباخرة. وقد عادت أمينة الى لبنان وغيّبها الموت عن عمر 33 عاماً.

رفيقا الحرديني

أربع رسائل إنكليزية وعربية، تحدّثت عن اثنين من غرقى حردين الأحد عشر، اثنتان منها وصلتا من اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر في نيويورك تتناولان طريقة وصول المساعدات إلى امرأة الغريق شليطا طنوس. أمّا الرسالتان الأُخريان فقد بعثت بهما إحدى وكالات السفر البحرية لإعلام ذوي الغريق يوسف جرجس سمعان شمعون بانتشال جثته ومكان دفنها، وما وجد معها من نقود ورسائل وأغراض من بينها مسبحة الورديّة وكتاب الصلاة رفيقَي الحرديني المؤمن.

وداع بالنواح والنَدب

كان وقعُ كارثة التايتانيك كبيراً على حردين بوصول عدد غرقاها إلى أحد عشر شاباً في مقتبل العمر، لذلك أقيم لهم فيها جنازة مهيبة لم تعرفها منطقة الجبل قبلاً، فدقّت الأجراس حزناً في البلدة

والمحيط، ومشى المئات في موكب أسود اخترقها من بوّابتها الصخرية في حيّ قاطع الكفاف الى ساحة مار شينا وهم يندبون بأسى ولوعة بمشاركة وفود كبيرة من أهالي القرى الشمالية ورؤساء الأديان. وما زال بعضهم يتذكّر حتى اليوم بعض أبيات الزجل التي بقيت على شفاه المسنّين وانتقلت الى أفواه البنين "الندبة" " كالآتي:

إبكي ونوحي يا حردين

عالشبّان الغرقانين…

غرق منك 11 شب

بسنّ الخمس وعشرين…

منهم سبعة عزّابي

والبقيّة مجوّزين…

ما فيهم واحد شايب

كلّن بالخمس وعشرين…

إبكي ونوحي يا حردين.

على أنّ الناجين التسعة من أصل عشرين التقوا في اليوم الثاني على ظهر سفينة Carpathia مع نحو 780 آخرين ظلّوا أحياء من أصل 2280 راكبا.

وتجدر الاشارة الى أنّ بولندا كانت قد أقامت في الثامن من نيسان الجاري احتفالات في الذكرى المئوية لغرق التايتانيك وذلك بعدما قضى 3 بولنديّين فيها. وقد دعا رئيس الجالية البولندية المعنيّين في لبنان الى المشاركة في الذكرى، إلّا أنّ فاعليّات بلدية حردين وأهاليها دعوا إلى إقامة قدّاس احتفالي في 15 من الجاري في ساحة البلدة عن راحة أنفس الشبّان الذين غرقوا في التايتانيك.

ويتساءل اللبنانيون أنّ بولندا التي فقدت فقط ثلاثة مواطنين قد أقامت احتفالاً تكريميّاً كبيراً لهم في ذكراهم المئوية، أمّا الدولة التي فقدت في فاجعة التايتانيك 93 مواطناً لبنانيّاً نأت بنفسها وأغرقت الحدث في بحر النسيان مثلما أغرقت أبناءَها سفينة التايتانيك "التي لا تُحرق ولا تُغرق!"

 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل