
مشهدية الحضور اللبناني الرسمي في واشنطن، في الساعات الأخيرة، تعكس أكثر ما تعكس “تثبيت” مرحلة “الندية الدبلوماسية السيادية” التي انطلقت مع العهد الجديد وحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي، وبما يضع حدًّا لسنوات من الارتهان لمحاور إقليمية دمّرت بنيان الوطن. فاللقاء التمهيدي المباشر، الذي جمع السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض في واشنطن بنظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، في وزارة الخارجية الأميركية وبرعاية مباشرة من الوزير ماركو روبيو، وفضلاً عن كونه “كسراً للتابوهات” الممانعاتية التي هيمنت على القرار اللبناني على مدى عقود، كان تجسيداً لإرادة لبنانية صافية ـ من بعبدا إلى السرايا الحكومية إلى وزارة الخارجية إلى أكثرية غالبة من القوى السياسية واللبنانيين ـ في استعادة قرار السلم والحرب.
الهدف: انسحاب إسرائيل وتثبيت سيادة الدولة
ما أكده هذا الاجتماع، وفقاً لمصادر سياسية متابعة، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، هو أن مسار التفاوض المباشر اللبناني الإسرائيلي الذي انطلق برعاية أميركية منفردة، يهدف في جملة ما يهدف إلى خلاص لبنان من “منطق الساحة” والحروب “المتناسلة” التي فرضها محور الممانعة منذ أكثر من 50 عاماً، وآخر أدواته “الحزب المحظور”، والعبور نحو اتفاق يضمن استعادة الأراضي اللبنانية المحتلة وانسحاب الجيش الإسرائيلي وتثبيت سيادة الدولة الكاملة.
تجاوب أميركي مع الطلب اللبناني وضغط على إسرائيل لهدنة مؤقتة؟
المعلومات المتقاطعة من مصادر مقربة من أروقة الخارجية الأميركية، تشير عبر موقع “القوات”، إلى أن واشنطن تدرس بجدية طلباً لبنانياً بوقف إطلاق نار مؤقت، ليس من باب الهدنة مع الميليشيا الإيرانية، بل لتمكين السلطة اللبنانية والجيش من بسط السيطرة الكاملة على الأرض. وتلفت المصادر، إلى أن هذا التوجه الأميركي يعكس رغبة في إعطاء “قوة دفع” للرئيسين عون وسلام لتنفيذ القرارات الحكومية السيادية، ومنع أي تحرك مسلح للحزب المحظور، وصولاً إلى حصر السلاح بيد الدولة بشكل حاسم.
بالتالي، تضيف المصادر، إن أي وقف للعمليات العسكرية، في حال تم التوصل إلى ذلك، سيكون بمثابة “فرصة ذهبية” للدولة لتثبيت سيادتها، وليس لالتقاط الأنفاس لمشروع إيران المتهالك، كما يتمنى الحزب المحظور، ويكون قد حصل نتيجة المبادرة الدولتية اللبنانية التفاوضية السيادية، ـ”لبنان يفاوض عن نفسه بنفسه”ـ، بعدما كفَّ يد إيران عن محاولة الاستثمار في هذا الملف، فجُنَّ جنون “الحزب المحظور” بعد هذه الصفعة التي تلقتها طهران من الدولة اللبنانية.
نهاية “لبنان الساحة” ورهان الاستقلال
الرؤية من واشنطن، بحسب المصادر، تشير إلى أن في بيروت، يتبلور موقف وطني صلب يرفض أي عودة إلى الوراء. والملاحظ، أن حملات التخوين والتهديد التي يشنها “الحزب” ضد رموز الشرعية، لم تعد تخيف أحداً؛ فالدولة التي منعت “غوغاء الساحات” من الانقلاب على السرايا الحكومية، هي نفسها اليوم التي تقود لبنان نحو الاستقرار المستدام.
واشنطن متحمسة
تضيف المصادر: “واشنطن تظهر حماسة معينة في هذه الأيام، بعكس الفترة القريبة الماضية، بأن الدولة تفعّل مواجهتها للهيمنة الإيرانية وأدواتها. والانخراط الأميركي والإصرار على أن يكون ملف التفاوض بين لبنان وإسرائيل “بعيداً عن أي تدخل باستثناء رعايتها المنفردة”، وهو ما تجسّد بتأكيد أن هذا الملف منفصل عن المفاوضات الأميركية الإيرانية، يؤكد جدية المتابعة الأميركية ويحمل نسبة معينة من التفاؤل، من دون التوهم أن المسألة ستُحل في ساعات أو أيام، وهو ما أشار إليه روبيو صراحة”.
الميدان: “الحزب” المحاصر في بنت جبيل يترنح
ميدانياً، لم تهدأ الجبهة الجنوبية خلال الساعات الماضية؛ حيث شنت إسرائيل موجة عنيفة من الغارات استهدفت أكثر من 30 بلدة وقرية، تزامناً مع إطباق الحصار العسكري على مدينة بنت جبيل من الجهات كافة، في وقت أعطى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو توجيهاته للجيش الإسرائيلي بـ”مواصلة تعزيز المنطقة الأمنية غي جنوب لبنان”، مؤكداً أن “معاركنا مستمرّة في لبنان وتتركّز في بنت جبيل عاصمة “الحزب” في الجنوب، ونحن على وشك حسم المعركة فيها”؛ ما يعكس تصعيداً يهدف إلى الضغط الميداني توازياً مع طاولة المفاوضات. وفي محاولة يائسة للتشويش على مسار واشنطن، أطلق “الحزب” صليات صاروخية باتجاه مستوطنات شمال إسرائيل، في خطوة يراها المراقبون محاولة أخيرة لإثبات وجوده بعد أن سُحب البساط الدبلوماسي من تحت أقدامه.
اقرأ أيضاً:
خاص ـ حذارِ “المساحة الرمادية”: إلى مزيد من اندحار المشروع الإيراني (أمين القصيفي)