
لا شك أن المشهد اللبناني يشهد تحوّلات مفصلية، وأي مراقب لا يمكن ألا يلاحظ “الإشارات القوية” التي يرسلها لبنان الرسمي إلى عواصم القرار، بأنه لم يعد ينتظر فقط التحولات وما تقرره العواصم أو ما تمليه المحاور، من دون أي دور له. لبنان يتحرك، وإن “بسرعات متفاوتة” ووفق الإمكانات المتوافرة، لرعاية مصالحه وقول كلمته في رسم خريطة خلاصه من الجحيم الذي أوصلته إليه سياسات المحاور، وأولها محور الممانعة وأداته المحلية “الحزب المحظور”، بقرار سيادي “صنع في بيروت”، متفاعلاً وملاقياً للتطورات الدراماتيكية الحاصلة في المنطقة وعلى المستوى اللبناني.
مصادر سياسية متابعة، ترى أن المشهدية التي شهدتها أروقة وزارة الخارجية الأميركية في الساعات الأخيرة، لم تكن استجابة لضغوط خارجية، بل كانت تتويجاً لإرادة لبنانية صلبة تقودها بعبدا والسرايا الحكومية لاسترداد قرار السلم والحرب الذي اختطفته الأجندات الإيرانية لعقود. بجرأة غير مسبوقة، فرضت الدولة اللبنانية “ندية دبلوماسية” كاملة، حيث التقت السفيرة ندى حمادة معوض نظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر على طاولة واحدة، لا من موقع الضعف، بل من موقع الدولة التي قررت استعادة سيادتها وإنهاء “حروب الإسناد” التي فرضها “الحزب المحظور” بالانقلاب على الدولة والدستور ورأي الغالبية الساحقة من اللبنانيين.
تعتبر المصادر ذاتها عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن هذا المسار التفاوضي الذي انطلق برعاية أميركية منفردة، يمثل انتصاراً للمبادرة “الدولتية” التي تهدف أولاً وأخيراً إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي، وتثبيت السيادة اللبنانية الكاملة على الأراضي المحتلة.
تضيف: “إن “لبنان الجديد” الذي يمثله الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام، مدعومين من أكثرية وزارية وبرلمانية وسياسية وشعبية غالبة، بمواجهة الحزب المحظور، نجح في إقناع الإدارة الأميركية بأن الدولة اللبنانية هي الشريك الوحيد الموثوق، وأن استعادة مؤسساتها لزمام المبادرة هي الضمانة الوحيدة للاستقرار”.
من هنا، تأتي الحماسة الأميركية وفصل الملف اللبناني عن أي صفقات إقليمية. وتلفت المصادر في هذا السياق، إلى أن تأكيد واشنطن على أعلى المستويات، نفي أي ترابط بين مفاوضاتها مع إيران والمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية؛ القائمة بذاتها بعيداً عن أي ربط مع أي ملف آخر، شكل صفعة قوية لطهران و”ربيبها” اللبناني “الحزب المحظور” كما كانا يسعيان ويحاولان ويتأملان. لكن الأهم، أنه قبل ذلك كله، لبنان رفض ربط مفاوضاته مع إسرائيل بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، وجزم بأن “لا أحد يفاوض عنه بل هو من يفاوض بنفسه عن نفسه”، فجُنَّ جنون “الحزب المحظور، لكن من دون أن يكون له أي تأثير على مسار التفاوض.
بالتالي، “إن مسار التفاوض المباشر الذي انطلق بين لبنان وإسرائيل لم يكن على الإطلاق إملاء أو فرضاً، بل أتى بمبادرة لبنانية سيادية وطنية أطلقها رئيس الجمهورية جوزيف عون لوقف النزف وإنقاذ البلد و”شفنا شو طلع من الحرب”؛ وهو استجابة لطلب بيروت التي قررت فك الارتباط بمسارات طهران المهلكة، وتوجيه صفعة دبلوماسية لمحاولاتها المقايضة بمصير لبنان والقبض على قراره لتحقيق مصالح نظامها المتهالك”، تختم المصادر.