.jpg)
ما يعيشه لبنان اليوم ليس انقساماً سياسياً عابراً، بل هو يقف أمام لحظة الحقيقة الكبرى التي تعلن السقوط المدوي لسردية “الميليشيا” أمام منطق الدولة. إن الفرضية الواهية التي حاول “الحزب الإيراني” تسويقها لعقود، ومفادها أن البلد منقسم بين سرديتين متساويتين، قد تهاوت بالكامل؛ فلا يمكن بأي منطق دستوري أو أخلاقي مساواة “سردية الدولة” التي تنشد الاستقرار والازدهار، بـ”سردية الارتهان” التي أدمنت تخريب الكيان وتحويل لبنان إلى منصة متقدمة للمشاريع العابرة للحدود.
هذا الفريق، الذي يصر على اختطاف قرار الحرب والسلم من دون أي إذن أو تكليف أو تفويض أو موافقة من السلطة الشرعية، لا يملك حق تقرير مصير اللبنانيين أو زجّهم في محارق عبثية؛ دفاعاً عن “إسناد” غزة تارة وطهران تارة أخرى، وعن مشروعه للهيمنة والسيطرة على لبنان وتغيير هويته الحضارية في كل الأوقات، محمّلاً المجتمع اللبناني كلفة الموت والتهجير والدمار والانهيار والحروب؛ التي يرفضها اللبنانيون جملةً وتفصيلاً، و”لا علاقة لها بأي شكل من الأشكال بالمصلحة اللبنانية لا من قريب أو بعيد”.
إن ما أفرزته الوقائع الصادمة، على الأقل منذ توريط لبنان في حرب غزة ومن ثم في إسناد إيران، وصولاً إلى مواقف قيادات هذا “الحزب الإيراني” وآخرها تحديداً إطلالة الشيخ نعيم قاسم الأخيرة، يثبت أن هذا “الحزب” بات “جسماً غريباً” في النسيج الوطني، يفتقر لأي حليف أو غطاء بعد أن استهلك الجميع بمغامراته الانتحارية.
فالمقارنة بين لبنان “سويسرا الشرق” في زمن اتفاقية الهدنة (1949-1969) وبين “لبنان الساحة” اليوم، تكشف حجم الجريمة المرتكبة؛ إذ تحول البلد من قبلة للاستثمار والسياحة والازدهار الاقتصادي والمالي والثقافي والحضاري، إلى دولة معزولة متعثرة يهاجر أبناؤها هرباً من الموت المستشري. والأحداث والوقائع بيَّنت زيف كل الادعاءات بامتلاك “قوة الردع” التي سقطت سقوطاً مدوياً في “الميدان”.
فـ”الحزب” الذي يدعي الحماية هو نفسه من استجلب إسرائيل مجدداً إلى لبنان بعد انسحابها العام 2000، وهو من استدرج الحروب من تموز 2006 وصولاً إلى الكارثة الحالية في آذار 2026، ليثبت هذا الوكيل الإيراني أنه قتل من اللبنانيين بسلاحه وانقلاباته وتهوره أكثر بكثير مما فعل العدو، مصداقاً لقول الرئيس نبيه بري الشهير: “صاروا قاتلين من القادة باسم المقاومة أكثر ما قتلت إسرائيل”.
الأخطر من ذلك كله، هو الانفصام السياسي والتهديد العلني بسفك الدماء؛ فهذا “الحزب” الذي يهاجم رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ويخوّنهما، لا يزال يتمسك بمقاعد وزرائه في الحكومة ذاتها، في تناقض فاضح يكشف استغلاله للدولة كمطية لمشروعه. والتلويح بأن توقُّف المدافع مع إسرائيل سيعني توجيه السلاح إلى الداخل اللبناني، هو إعلان حرب على الكيان ومحاولة لتكرار مآسي “7 أيار”، وهو ما يفرض على الدولة اليوم أن تخرج من “المساحة الرمادية” القاتلة.
إن ميزان القوى الجديد الذي أفضى إلى انتخاب الرئيس عون وتكليف الرئيس سلام، يجب أن يتحول إلى ميزان حاسم يترجم المواقف الرسمية والقرارات الحكومية السيادية إلى أفعال على الأرض، تنهي “الوضعية الشاذة” المستمرة منذ العام 1990، وتقطع الطريق على أي محاولة للانقضاض مجدداً على الشرعية؛ كما حصل في محطات سابقة أليمة.
إن مطلب نزع سلاح “الحزب الإيراني” بالقوة وحصره بيد الدولة لم يكن يوماً مطلباً خارجياً، بل هو صرخة لبنانية أصيلة جرى تجاهلها دولياً لعقود، حتى تحول هذا السلاح إلى بؤرة أمنية تهدد وجود لبنان في الصميم، فضلاً عن تهديد المنطقة وأوروبا والعالم من خلال الخلايا الإرهابية التي زرعها.
إن قوة لبنان الحقيقية التي لم تستطع إسرائيل انتزاعها، قوّضها هذا “الحزب الإيراني” عبر تفتيت مؤسسات الدولة وإيصال اللبنانيين إلى أسوأ أزمة اقتصادية واجتماعية في تاريخهم. وهذا ما يعيدنا إلى اجتماع “معراب 3″، إذ إن القوى السيادية التي التقت في هذا الاجتماع أصابت كبد الحقيقة عندما طالبت بعدم الاكتفاء بنزع السلاح، بل بوجوب محاسبة المسؤولين عن توريط لبنان في هذا المسار الكارثي غير المسبوق.
الخلاص يكمن في خيار واحد وحيد أوحد؛ إنهاء عصر “لبنان الساحة”، مهما كلّف الأمر، وتثبيت انطلاقة “عصر الاستقلال الثالث” واستكمالها إلى النهاية، حيث لا مكان لسلاح رديف أو ولاء لغير العلم اللبناني، ليعود لبنان وطناً مستقراً ومزدهراً، والدولة وحدها سيدة الأرض والقرار، فيستعيد اللبنانيون كرامتهم المستباحة بعيداً عن أوهام السرديات الخشبية التي لا تتقن إلا إنتاج الموت والخراب.
