كتب فادي عيد في صحيفة "الجمهورية":
لا تزال الخلافات المسيحيّة ـ المسيحيّة في مكانها، كذلك الخلاف المستجدّ بين بكركي ومعراب، وإن نفّسَت محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرّض لها الدكتور سمير جعجع بعض الشيء الاحتقان السائد بين البطريرك والحكيم، ولا سيّما بعد استنكار بكركي المحاولة على لسان المطران بولس الصيّاح.
وفي هذا السياق، فإنّ مصادر مسيحيّة مواكبة تشير إلى أنّ الخلافات على خطّ الزعامات والقيادات المارونية، ولا سيّما بين معراب والرابية، لا تزال في مكانها، ولا أجواء أو بوادر لتسويتها في المدى القريب، باعتبار أنّ حجم هذه الخلافات كبير، لا بل أنّه يسير في اتّجاهات تصعيدية على خلفيّات سياسية وانتخابيّة وإقليميّة، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية، ما يعني أنّ كلّ الأطراف تحتاج إلى أوراق انتخابية وتجييش شعبي.
في المقابل، تتحدّث معلومات عن مواصلة المساعي إلى إنضاج الحلول قبيل الشروع في تحديد موعد للّقاء الماروني الموسّع، إذ وخلافاً لكلّ المواعيد، فإنّ المؤشّرات المتداولة بين المعنيّين لا تنبئ بحصول لقاء قريب، ولا تزال لجنة الحكماء المؤلّفة من الوزير السابق ميشال إدّه، ورئيس المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن، ورئيس الرابطة المارونية جوزف طربيه، تجري اتّصالات بعيداً من الأضواء مع القيادات المارونية على اختلاف تلاوينها، في حين كانت لافتة جولة وفد المجلس الماروني على المرجعيّات السياسية والروحية المسيحية، إضافة إلى اللقاء الذي عُقد مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان.
وفي هذا الإطار، يوضح الخازن أنّ هذه اللقاءات تشكّل "ضرورة مسيحيّة ووطنية، ولا سيّما مع رئيس الجمهورية الرمز المسيحيّ والوطني والتوافقي". ويكشف عن "اتّصالات شبه يوميّة تجري بعيداً من الأضواء مع سائر المرجعيّات والقوى السياسية، بغية تهدئة الأمور ووقف التصعيد السياسي، لأنّه لا بدّ من الحوار والتلاقي"، مؤكّداً أنّ البطريرك مار بشارة بطرس الراعي "لا يحمل أيّ ضغينة لا للدكتور سمير جعجع، ولا لأيّ جهة مسيحيّة ووطنيّة، وهو فوق كلّ الاعتبارات، وداعية حوار وتلاقٍ مع الجميع، وبالتالي فإنّ الأمور في النهاية ستصل إلى خواتيمها السعيدة، لأنّ على الجميع أن يُدرك بأنّنا نعيش في لبنان والمنطقة في ظروف عصيبة، خصوصاً في ما يتعلّق بالحضور المسيحي في المنطقة، الأمر الذي يستدعي التعقّل في معالجة كلّ الملفّات". ويرى الخازن أنّ "القمم الروحية التي يُصرّ عليها البطريرك الراعي ويطالب بأن تبقى مفتوحة، تشكّل المدخل الأساسي لترسيخ التعايش وتمتين وحدة الصفّ الداخلي".
وفي سياق متّصل، ترى جهة مسيحيّة فاعلة، أنّ "الأزمة السوريّة ترخي بظلالها على الساحة اللبنانية وتداعياتها تتوالى فصولاً، وهي أخذت تترك انعكاسات واضحة على الساحة المسيحيّة من خلال دعم بعض القوى للنظام السوري، وفي طليعتهم رئيس تكتّل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون، وذلك برز خلال موقفه من مقتل المصوّر في قناة "الجديد" الشهيد علي شعبان، ممّا يشير إلى أنّ هذا الفرز بدوره يوسّع من الشرخ السياسي القائم، إضافة إلى أنّ محاولة اغتيال جعجع وما لاقته من ردود فعل وغياب الاستنكار العونيّ، تؤشّر أيضا إلى أنّ المرحلة ليست بالسهلة على الساحة المسيحيّة.
والمشكلة المسيحيّة تبقى جزءاً من التصعيد والخلاف السياسي عموما، في ظلّ الانقسام العمودي المحيط بكلّ القوى السياسية والحزبية، في حين تؤشّر الأجواء المتوافرة، إلى تصعيد بين مكوّنات الحكومة قد يُحدث مفاجآت في هذه المرحلة، الأمر الذي يُبقي الحلول الناجعة على الساحة المسيحيّة في مهبّ الصراعات السياسية المتنوّعة.
من هذا المنطلق، أوضحت المعلومات أنّ الاتّصالات واللقاءات التي تجري داخل الساحة المسيحيّة "من شأنها تنفيس الاحتقان مرحليّاً، وبالتالي ستبقى الأمور تراوح مكانها في انتظار الانتخابات النيابية المقبلة وجلاء الصورة في سوريا، من دون التوصّل إلى أيّ توافق بين الجهات المتخاصمة، وخصوصاً على خطّ الرابية ـ معراب، لا بل إنّ غياب الشجب العونيّ لمحاولة اغتيال جعجع، هو مؤشّر سلبيّ لا يساهم بأيّ حلحلة حتى من نافذة المناسبات الاجتماعية، الأمر الذي ولّد استياءً في صفوف القواتيّين، وحتى لدى مرجعيّات مسيحيّة سياسية وروحية، لأنّ ذلك خارج عن التقاليد والأعراف وما تنادي به الكنيسة من تسامح وإدانة للضغائن والأحقاد.