تقترب خطّة كوفي أنان من كونها محطّة فاصلة بين مرحلتين في الثورة السورية على السلطة الأسدية. لكن ليس لأنها ستطبق، بل تماماً لأنها لن تطبّق، ولأنّ ما سيليها سيكسر رتابة المشهد الكئيب القائم منذ نحو شهرين أو أكثر والمتمحور حول الانتقال من مذبحة إلى أخرى.
.. على حافة اليقين تمشي هذه الكلمات. ولن يطول الانتظار كي يبان الصح والواقع فيها، من التحليل والتمنّي!
قيل في مؤتمر اسطنبول لأصدقاء سوريا في مطلع الشهر الجاري، وبعده بأيام قليلة، إنّ خطّة المبعوث الدولي العربي ستكون المحاولة الأخيرة لإيجاد محدلة تمهّد الطريق أمام انتقال سلمي متدرّج للسلطة. وبمعنى آخر، لمحاولة "إقناع" القيادة السلطوية في دمشق بأنّ الباب لم يقفل تماماً عليها، لكن من دون أوهام: الهدف الأخير التدريجي المطلوب، هو نقل السلطة وتلبية مطالب الأحرار السوريين، وليس أي شيء آخر. الخطوة الأولى، وقف إطلاق النار وسحب الجيش والعسكر، ثم ما إلى ذلك من أمور تتعلق بالمراقبين الدوليين وتقديم المساعدات وإطلاق المعتقلين، وتأكيد الحق بالتظاهر. لكن "زبدة" المائدة المفلوشة هي كما ورد في الخطة حرفياً "عملية سياسية شاملة (…) للاستجابة للتطلّعات المشروعة، ومخاوف الشعب السوري".
"التطلّعات المشروعة" تلك، لا ينزل سقفها عن المطالبة بإسقاط السلطة ورأسها ولا شيء دون ذلك!
لكن بعيداً عن ذلك الشأن التوثيقي والتفصيلي، فإنّ أحداً، عقله في رأسه وليس في أعصابه، لم يتوقع أن تفي سلطة الأسد بوعودها.. وصحّ ذلك التوقع: لم ينسحب الجيش فعلياً وعملياً من أي منطقة حسّاسة وسكنية، واستمر إطلاق النار على المتظاهرين، ولم يُطلق مُعتقل واحد، ولم تصل ربطة خبز واحدة إلى نازح واحد.
الأهم من ذلك، هو ما بعده. (وهنا عودة إلى اسطنبول): بالأمس تحديداً، وفي موازاة استمرار التظاهر في طول سوريا وعرضها واستمرار إطلاق النار على المتظاهرين نُقل عن أنان مطالبته بتأمين "ممرّات إنسانية" لإغاثة النازحين والمحاصرين.. وكان نُقل عن مسؤولين أتراك تبرّمهم ووصول سُلّم الحنق إلى رؤوس مناخيرهم، من الممارسات السلطوية الأسدية، التي تطاولت إلى داخل الحدود التركية.
يعني ذلك، وكثير غيره وإن كان غير منظور، انّ زمن "التفرّج" من بعيد أو من قريب، على المذبحة الجارية، اقترب من نهايته. والسيناريو المكتوب للمرحلة الآتية، قرأه كثيرون وأوّلهم بشّار الأسد.. لكن المفارقة تكمن في أنه هو وليس غيره، أول الساعين إلى تنفيذه! تماماً مثلما كان أوّل أعداء نفسه، وأول منفذي "المؤامرة الكونية" على نظامه وعلى سوريا في الإجمال.