كتب محمد مشموشي في "المستقبل":
من حق اللبنانيين أن يعرفوا الحقيقة، أو بعضها على الأقل، عما يقال عن أحوال بلدهم ودولتهم في الفترة الحالية، ليس لخطورته الآنية فقط بل لكونه يتصل مباشرة بمستقبلهم ومستقبل البلد وأجياله المقبلة. وما يقال عن هذه الأحوال أكثر مما يتخيله عقل، أو حتى يخطر في البال، فضلا عن أنها تطال كل وجوه حياة اللبنانيين، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمالية، من دون استثناء.
من حقهم أن يعرفوا، بعيداً عن مقولة "انتظار نتائج التحقيق" التي باتت أيقونة العمل السياسي في لبنان، ما هي حقيقة ما قيل عن العمولات والرشوات التي رافقت سفن انتاج الطاقة الكهربائية، بما في ذلك "التسوية الحبية" التي انتهت اليها في مجلس الوزراء. فالمسألة، من بدايتها الى نهايتها، ترسم أسئلة أكثر مما تعطي اجابات.
واذا أضيفت الى ذلك فضيحة المازوت الأحمر، ابان الانتقال من تسعيره المتدني لمساعدة الناس في فصل الشتاء، ومعها بشكل أسبوعي تقريبا قضية توقيع الوزير أو عدم توقيعه للائحة أسعار الوقود، والى جانبهما قضية خطوط التوتر العالي في منطقة المنصورية، وكيفية تجاوز هذه القضايا بـ "تسويات حبية"، ولماذا، ومن هو الذي ابتدع هذه الحلول… وأنه في لبنان، على عكس ما يحدث في العالم في حالات مماثلة، لا يمكن تخيل مسؤول يخجل فيستقيل لمجرد شيوع نبأ ارتشائه أو اتهامه، لاكتملت صورة المشهد الآن: حق اللبنانيين في المعرفة، وتجاهل السلطة الكامل لهذا الحق.
بل وأكثر بالنسبة الى المسألة الأخيرة بالذات. اذ لا حاجة الى القول ان عادة المسؤولين (لعلها حكاية اللبنانيين القدامى عن "قبر الشيخ زنكي") أن يلتزموا الصمت على أفعال زملائهم، أو حتى أن يعملوا على تغطيتها.
من حق اللبنانيين، فضلا عن أنه من واجب السلطة تجاهم، أن يعرفوا كيف انتهت (أو لم تنته بعد) جريمة الأغذية والأدوية الفاسدة، والى أين وصلت التحقيقات مع الموقوفين (أو الهاربين، الذين يقال انهم مهربون بفتح الراء بعد أن كانوا مهربين)، وخصوصاً ما أشار اليه أحد الوزراء عن وجود نحو ألف طن من هذه المواد يجري التداول بطريقة اتلافها ومكانه… لزوم العناية بالبيئة. وأية بيئة، هي بيئة بلد يقتات بالأغذية الفاسدة ويعالج بالأدوية المنتهية الصلاحية؟. ثم ماذا حل بمصنع حبوب "البكتاغون" للكبار، ومعمل بطاطا "التشيبس" للصغار، كما بغيرهما من الأوكار التي تنتج أصنافاً مختلفة من السموم وتوزعها على اللبنانيين من دون رقيب أو حسيب؟. وما هي، بعد ذلك كله، الاجراءات التي اتخذتها السلطة لمنع هذه الأوكار من العودة الى الانتاج والتوزيع… وربما التصدير الى الخارج أيضا؟.
من حق اللبنانيين، ومن واجب الحكومة تجاههم، أن يعرفوا خفايا الخلافات وأسبابها داخل مجلس الوزراء بسبب ومن دون سبب كما يقال. فبين أعضاء الحكومة، خلافات حول الموازنة العامة للدولة أدت الى عدم صدورها حتى الآن، وأخرى حول قضية الـ 8900 مليار ليرة التي تحفظت عنها لجنة المال والموازنة أثناء مناقشتها، ويطالب رئيسها (عضو تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ابراهيم كنعان) الآن بأن يوقعها رئيس الجمهورية ميشال سليمان من دون الأخذ بأي من تلك التحفظات. وبينهم خلافات حول التعيينات الادارية، أدت حتى الآن الى ابقاء بعض المواقع الأساسية في الادارة والقضاء والأمن شاغراً أو مشغولاً بالتكليف. وبينهم خلافات حتى حول "توصيف" النازحين السوريين الى الأراضي اللبنانية، بحيث يطالب وزراء بتقديم العون اللازم لهم براً بالأخوة والجوار والتزاماً بميثاق حقوق الانسان بينما يرى آخرون أنهم "مجرمون" و"ارهابيون" يجب طردهم وحتى تسليمهم الى سلطات بلادهم التي اضطرتهم الى النزوح. وبينهم خلافات حول مصير الحكومة نفسها، بحيث يهاجم بعضهم رئيسها (نجيب ميقاتي) ورئيس الجمهورية ويصفهما بأقذع النعوت ثم يهدد بالاستقالة (لكن في الوقت المناسب، كما يقول؟) بينما يتمسك البعض الآخر(حليف البعض الأول) بها ويعتبر أنها أنجزت الكثير ويجب أن تبقى الى ما شاء الله. وبينهم، كما يقول أحدهم، "ما صنع الحداد" ان في النظرة الى الحكم أو في النظرة الى البلد كله، اضافة الى ما كشفه رئيس الحكومة نفسه من أن أحد الوزراء لا يقيم علاقة بالمدير العام لوزارته، وحتى لا يتحدث معه، لأن التكتل السياسي الذي ينتمي اليه يمنعه من ذلك.
لكن، في المقابل، ماذا تفعل السلطة في مواجهة هذه الحقوق؟.
على مدى عام كامل، عمر هذه الحكومة، لم تقدم السلطة اجابة عن سؤال واحد من أسئلة اللبنانيين هذه. على العكس تماماً، فقد زادت هذه الأسئلة الى درجة لم تعد معقولة أو مقبولة حتى درج القول ان السياسة التي اعتمدتها تجاه سوريا، "النأي بالنفس"، هي سياسة محلية لبنانية قبل أي شيء آخر. "النأي بالنفس" عما يهدد حياة المواطنين واحتمالات موتهم بالأغذية والأدوية الفاسدة، وعن ارتكابات الموظفين والوزراء في تعاطيهم مع الشأن العام، وحتى عن الحكم نفسه باعتباره الطريق لتهديد الحكومة بأن تبقى أو لا تبقى في السلطة لشهور أخرى.
… وأليس من حق اللبنانيين، في ضوء ذلك، أن يعرفوا متى يحل هذا الكابوس الثقيل عن ظهورهم؟.