#dfp #adsense

خاص ـ “النسخة الثالثة” من الجحيم: التفاوض أو الانتحار الأخير؟ (أمين القصيفي)

حجم الخط

لعل لبنان يعيش في هذه المرحلة أخطر مرحلة في تاريخه الحديث؛ وبقدر ما تحمل معها من آمال وتطلعات بنهاية الأزمة وإرساء حل دائم للصراعات والحروب والانعتاق من “سجن المحاور” وتثبيت سيادة الدولة وقرارها الحر، هي تحمل في الوقت ذاته مخاطر جمّة من تفويت هذه الفرصة التاريخية وتضييع “المومنتوم”، بل الذهاب نحو مستويات مأساوية قد يكون ما شهدناه حتى اليوم “نزهة أمامها”.

بظل هذا الواقع الذي لا يمكن إنكاره، تلاشت تماماً رفاهية “المناطق الرمادية”. المعادلة باتت أوضح من “عين الشمس”، والرهان الوحيد المتوفر هو نجاح المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وانتشال لبنان من مستنقع الحروب والأزمات وإرساء سلام دائم وعادل يحفظ الحقوق اللبنانية كاملة، مرة لكل المرات. أو، في حال فشل المفاوضات، أو في حال نجاح “الحزب المحظور، ومن خلفه إيران، في إسقاطها، فما ينتظر لبنان لا يختلف عليه اثنان “عاقلان”: استدراج آلة الموت والدمار الإسرائيلية مجدداً لاستكمال “المهمة” التي ستقضي على ما تبقى، ولا أحد يعلم إذا كان يمكن أن تقوم قيامة للبنان الذي نعرفه بعدها؛ وهي “المهمة” التي تمت عرقلتها بضغط مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر فرض الهدنة، وإعطاء فرصة للمفاوضات لإرساء سلام دائم بين لبنان وإسرائيل.

لم يعد هناك أي متسع للألعاب اللفظية أو الشعارات الخشبية والمزايدات التخوينية التي يقتات عليها “الحزب المحظور”؛ فمن يصوِّب سهامه نحو طاولة التفاوض اليوم، لا يستهدف خصماً سياسياً، بل يستهدف آخر شبكة أمان للبنانيين وآخر فرصة “جدية” لإنقاذ الوضع، مع انخراط ترامب شخصياً في دعم مسار التفاوض، ويدفع بالبلاد بكلتا يديه نحو خطيئة “النسخة الثالثة” من الجحيم، بعد نسختَي “إسناد غزة” و”إسناد إيران”.

إن الضغط والترهيب الممنهج الذي يمارسه هذا “الحزب” لإفشال المسار الدبلوماسي، ليس فعلاً سياسياً، بل هو جريمة موصوفة بحق أمن واستقرار اللبنانيين. فالمفاوضات اليوم ليست “خياراً” بين خيارات متاحة “يستحلي” منها لبنان ويختار، بل هي المخرج الوحيد من دوامة الموت والانهيار الكارثي الذي يعصف بنا منذ سنوات؛ ونجاح المسار التفاوضي هو الجسر الوحيد الذي يضمن وقف القتل، وعودة المهجرين إلى قرى باتت ركاماً، وإعادة الاعتبار لدولة فعلية صودر قرارها وهُمِّشت مؤسساتها لعقود، وهي الفرصة الأخيرة لاستعادة الحياة الطبيعية وفتح الباب أمام النهوض والازدهار بعد ستين عاماً من الحروب والوصايات.

وفي المقابل، فإن البديل الذي يطبخه “الوكيل الإيراني” في غرفه السوداء، هو “نسخة ثالثة” من الحرب، نسخةٌ “الله وحده أعلم” بمدى وحشيتها مقارنة بما سبقها. فالنسخة الأولى التي أشعلها “الحزب” في 8 تشرين الأول 2023 كانت مغامرة عبثية استنزفت البلاد، والنسخة الثانية في 2 آذار 2026 كانت أشد فتكاً وتدميراً. أما النسخة الثالثة، في حال جرّ “الحزب المحظور” لبنان إليها بسبب تعطيل الدبلوماسية، فلن تكون مجرد “مواجهة”، بل ستكون الضربة القاضية للكيان اللبناني ومحو ما تبقى من قدرة هذا الشعب على الصمود.

لذلك، يجب أن يُسأل كل من يرفض المفاوضات ويعمل بشكل مستميت على إسقاطها ويتَّهم من يعتمد الدبلوماسية بالخيانة: هل تريد حقاً إعادة اللبنانيين إلى الملاجئ والبرادات وافتراش الشوارع والأرصفة أكثر؟. نسأل والجواب معروف للأسف، فتحريض “الحزب المحظور” ومواقفه وسلوكه على مدار الساعة، يؤكد أنه لا يريد للبنان أن يتحول إلى دولة طبيعية بقرار واحد وجيش واحد، بل يريده أن يبقى مجرد “حديقة خلفية” دائمة للنفوذ الإيراني، وساحة مفتوحة لتصريف الصواريخ والرسائل بالنار مهما كان الثمن من دماء اللبنانيين.

إن تخوين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والدولة اللبنانية لأنهم اختاروا طريق التفاوض، هو في جوهره محاولة لإبقاء الشعب اللبناني “رهينة” أبدية لمشروع الحرب الإيرانية المستمرة. بالتالي، لقد آن الأوان لكي يتحمل هذا الحزب أمام التاريخ وأمام الرأي العام اللبناني كامل المسؤولية عن كل قطرة دم تسيل وكل بيت يُدمَّر، لأن إفشال المفاوضات هو قرار واعٍ باختيار المزيد من القتل والتهجير والتدمير والتجريف، بينما نجاحها هو النفس الأخير لإنقاذ لبنان وبناء دولة حقيقية بعد عقود من الخراب. كل الأقنعة سقطت والمسؤولية باتت واضحة: إما الدولة التي تحمي مواطنيها، وإما “الوكيل” الذي يضحِّي بهم على مذبح المصالح الإيرانية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل