#dfp #adsense

مسيحيون مقاومون.. قوة الموارنة وضعفهم ـ 1

حجم الخط

الموارنة

شكّلت هذه الروحانيّة، العمق الوجداني والإيماني للموارنة عبر صيرورتهم التاريخيّة، فارتضوها ويرتضوها اليوم، وقد اعتنقوها حتّى في أجسادهم وأرزاقهم، فكانت القيامة تَنبثُ من ضعفهم، حتى أصبح الضعف قوّة عندهم، لأن قيامتهم لم يستمدّوها من حكمة هذا العالم، في أمواله وسلاحه، بل في لغة “المسيح المصلوب”، فأدركوا أن قوّتهم تكمن في ضعفهم، وأن الضعف عندهم هو قوّة الربّ يسوع القائم من الموت، وهو القائل: “ستُعانونَ ضِيقًا في العالَم، ولكن ثِقوا فأنا غَلَبتُ العالَم” (يو 16: 33)، “فلا تَخَف أيُّها القَطيعُ الصَّغير” (لو 12: 32).

هذا الإيمان المتجذّر في التاريخ، والذي يحمله الشعب الماروني، لا يستلهم عقيدةً سياسيّةً أو اجتماعيّةً، بل يستنير من حقيقة تاريخيّة، في إلهٍ حيٍّ متأنّس بين البشر، يسكن معهم، قضيّته المحبّة وهدفه ارتقاء الإنسان. لذلك فإن الحقيقة عند الموارنة ليست أفكارًا أو مفاهيم، وليست تعليمًا أو إرشادًا فقط، الحقيقة عندهم هي جسدٌ حيّ. فكما أن كلمة الله “والكلمةُ لَحمًا صارتْ، وبَينَنا سكَنَتْ، ورأينا مَجدَها” (يو 1: 14)، كذلك فإنّ شهادتهم للمحبّة الآتية من الآب، وللحرّيّة المتجلّية في البنوّة له، تظهر في أجسادهم وتصرّفاتهم، في أفعالهم وأقوالهم، أو لا تظهر.

يكون الموارنة اليوم أجسادًا حيّةً، في المحبّة والحرّيّة، يلمس الآخرون من خلالها، جسد المسيح الحيّ، أو تبقى أجسادهم بائدة معرّضة للذّل والفتك والانقراض. يموت الموارنة عندما يعتقدون أن الصليب هو النهاية، ويحيون عندما يدركون أن لا قيامة حقيقيّة لهم من دون العبور في الصليب.

هذا الالتصاق بفعل التجسّد الإلهي، يؤهِّل الموارنة وكلّ مؤمن بالمسيح كي يدركوا أنّهم أصبحوا أبناءً لله، بكلِّ ما لكلمة بنوَّة من معنى، ينادونه: “أبّا” (روم 8: 15). ويحيون معه وفيه حرّيّة أبناء الله، فلا يرتضون قيدًا بشريًّا ولا يستسيغون تسلّطًا، بل يعملون على نزع وهدم كلّ قهر وقمع وإذلال.

اقترن وجود الموارنة بالحرّيّة كما تقترن الحرّيّة بذاتها، من دون حاجة إلى غيرها، حتى أصبحت الحرّيّة قربان الموارنة على مذبح الشرق وضمانة لارتقائهم وأبناء الشرق معهم نحو النور والصفاء. وباعتناق الحرّيّة منهجًا حياتيًّا لبناء مصيرهم، أكّد الموارنة أنّ الإنسان هو القيمة المطلقة في هذه الدنيا، لا تعلوها أيّ قيمة أخرى، ولا تحدّها قوانين أو أنظمة أو أحزاب أو رغبة حاكم مستبد. الإنسان قيمة بذاته، في حرّيّة كيانه الذاتيّ، يتمتّع بكرامة ذاتيّة ولا يمكن أن يكون وسيلةً لفتحٍ سياسيٍّ أو عسكريٍّ أو ماليٍّ تفقده أهليّة الوجود الكياني الحرّ.

 

الكلمة والسيف

من أعتى المخاطر التي واجهها الموارنة عبر التاريخ كانت يوم تتعرّض الحرّيّة للانتهاك والتهديد في كيان وجودها عندهم، فتصطدم بأحدٍ من الناس، من هؤلاء الذين يمتهنون إرادة إلغاء الآخر باسم دينه أو عقيدته أو كبريائه، ساعيًا لينفي مَن هو مغاير عنه، ولكي يضمّه إلى جزئيّته الخاصّة.

أمام أخطار تواجه حرّيّتهم وحفاظًا على وجودهم الحرّ كان الموارنة بحكمة قراءةٍ لعلامات الأزمنة، يستنبطون الحلول المتوقّرة الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة. ومتى تبطل هذه الحلول كانوا يستلّون السيف كحلٍّ أقصى، يرتضون أن يدافعوا بدمائهم ثمن حرّيّتهم، إذ تراهم عندئذٍ يقفون لا محالة أمام خيارين، إمّا العيش مع الآخرين بذمّيّة ذليلة، أو التطلّع نحو حرّيّة ذاتيّة دومًا، فيختارون الثانية ولو بثمن باهظ.

يؤمن الموارنة في قرارة أنفسهم أن السلاح ليس وسيلة مباشرة للدفاع عن الذات، بل هو الوسيلة الأخيرة قبل الفناء المحتّم، لذلك نراهم إذ تمرّسوا على الصبر عبر تاريخهم تصقلهم الشّدّة، تنعشهم الأرض المرويّة بالدماء، ويحييهم الإيمان بذاك الذي يقول لهم: “شُدُّوا وسَطَكُم، وأسرِجوا سِراجَكم. تشبّهوا بأناسٍ ينتظرونَ عودةَ سيّدهم من العُرس، حتّى إذا ما جاء وطرق، فتحوا لهُ دون إبطاء” (لو 12: 36-35).

يشهد الموارنة للحرّيّة، لأنّهم يشهدون للإنسان كون وجود هذا الإنسان لا يقتصر على الأكل والشرب، بل هو في كيانه الذاتيّ والتاريخيّ، وجود يحتوي على دعوة جوهريّة سامية لأن ينمو، كلّ واحد منهم، ليبلغ ملء قامة المسيح. هنا تكمن عظمة الموارنة في هذه الرسالة الإلهيّة، وهنا أيضًا يرتسم عنفوانهم النابع من تواضع إلهم. هذه هي شهادة الموارنة في لبنان والشرق، “بصبرِكم تكتسبونَ أنفسَكم” (لو 21: 19). إذًا لا تخافوا يقول لهم الربّ يسوع: “أمّا أنتم فشَعرُ رؤوسِكم نفسُه مَعدودٌ كلّه” (متى 10: 30).

يؤدّي الموارنة هذه الشهادة بفخر واعتزاز، أو يفقدون هويّتهم، ويسقطون في وديان الضياع والتشتّت، فيستخفّ بهم أبناء الشرق والغرب معًا. يشهد الموارنة لعالم الروح الذي أصبح كلمة، أو يغلقون ذواتهم في جزئيّات الحرف، والمصالح الذاتيّة والمكاسب الآنيّة، فيموتون. وحينئذٍ يحلّ زمن جنائز الشرق كلّه.

من كتاب مسيحيون مقاومون ـ الأب يوسف عوده

 

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل