كتب طارق ترشيشي في "الجمهورية":
شكّل صدور قرار مجلس الامن الدولي بالإجماع هذه المرة مؤشراً جديداً على أنّ التسوية الدولية للأزمة السورية، خصوصاً بين موسكو وبكين وواشنطن، تتقدّم بثبات من دون إغفال عقبات قد تبرز في الطريق وقوى متضررة قد تسعى الى عرقلة هذه التسوية.
وفيما يقول البعض إنّ الرئيس الأميركي باراك اوباما وإدارته أضعف من أن يفرضا على حلفائهما الاقليميين والعرب الانصياع الى متطلبات هذه التسوية، يقول بعض آخر في المقابل إنّ هذه الاطراف الاقليمية والعربية مضطرة الى القبول بهذه التسوية، خصوصا أنها بعد مضي اكثر من 11 شهراً على اندلاع الأزمة السورية بدأت تشعر أنها باتت تواجه طريقاً مسدوداً، وان النظام هو أقوى ممّا صوّرته بعض التقارير الاعلامية ومعلومات بعض المعارضين الذين يؤدّون دوراً مشابهاً لدور بعض المعارضين العراقيين الذين كانوا يزوّدون حكومات الغرب معلومات عن وجود أسلحة دمار شامل في العراق، ما أدّى الى حرب دمار شاملة ضد هذا البلد العربي.
ويقول سياسيون مراقبون إنّ هذه الأطراف الإقليمية والعربية تهدف من تشنّجها الى أن تؤخذ في الاعتبار في حسابات أيّ تسوية تتصِل بالوضع السوري مستقبلاً، وإن هناك اتصالات تجري بعيداً من الأضواء من أجل إعادة المياه الى مجاريها بين دمشق وبين عواصم كانت تربطها بها علاقات وطيدة قبل الأزمة.
غير أن التسوية الدولية والانصياع الاقليمي والعربي لمتطلباتها يحتاج ايضاً الى دخول أطراف سورية معارضة على خط حلّ الأزمة. وفي هذا الإطار يُفسّر المراقبون زيارة وفد "هيئة التنسيق السورية" المعارضة برئاسة حسن عبد العظيم لموسكو واجتماعه المُحتمل بوزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، كذلك يُفسّرون ايضاً، وفي الإطار ذاته، استقبال رئيس "المجلس الوطني السوري" المعارض الدكتور برهان غليون في بكين.
وتقول معلومات شبه مؤكدة ان القيادة الدولية لتنظيم "الاخوان المسلمين" التي اجتمعت قبل مدة قصيرة في تركيا، رفضت الموافقة على مقترح قدّمته جماعة "الاخوان المسلمين" في سوريا يدعو الى تسليح المعارضة أو فتح الباب أمام تدخّل خارجي.
كذلك تؤكد معلومات وثيقة ان الامين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي يحاول ان يبرّر مواقفه السابقة تجاه الازمة السورية بأنها كانت نتيجة "ضغط كبير" عليه، وانه كان يحاول "قبول السيىء من القرارات لمنع اتخاذ الاسوأ"، وأنه "يعارض بشدة" تسليح المعارضة والتدخل الاجنبي، وهو موقف يُصبح مفهوماً اليوم اذا ادركنا ان القيادة المصرية قد اتخذت الموقف نفسه مقتربة بذلك من الموقفين الروسي والصيني.
اما المصالحة الوطنية السورية فقد بدأت دمشق تتحضّر لها من خلال عدد من المؤتمرات الداخلية، وكان منها مؤتمر العشائر الحادي عشر الذي انعقد امس في اللاذقية، بكلّ ما يحمله مكان الانعقاد وزمانه من دلالات. وقد أبدى الخطباء فيه من زعماء العشائر السورية دعمهم للرئيس بشار الاسد وللمصالحة الوطنية السورية.
وينتظر مراقبون ان تتحرك غير دولة عربية من الخليج نفسه، ومن دول أخرى، بغية توفير الأجواء لمصالحة عربية ـ عربية يعتقد كثيرون أنها الوسيلة الأفعل لوَقف تمويل المسلحين وتسليحهم، فضلاً عن وقف الحملات الإعلامية التي يلاحظ المراقبون انها بدأت بتخفيض عدد ارقام الضحايا في شكل ملحوظ.
ويعتقد أصحاب هذه المعلومات أن من الأسباب الدافعة الى مبادرات عربية تدعم مصالحة بين القيادة السورية والدوَل التي اتخذت موقفاً حاداً ضدها، هو شعور بعض دوَل الخليج بأنها لم تعد في منأى عن اضطرابات داخلية يمكن أن تتسِع إذا وجدت مَن يدعمها ويروّج لها اعلامياً.
وما يعزّز هذه المعطيات هو الاعلان الإيراني عن استعداد طهران لبحث جدي في مسألة الملف النووي إذا ألغَت الدول الغربية عقوباتها ضد ايران خلال اجتماع بغداد المرتقب حول هذا الملف. وهذا الاعلان الايراني يَشِي بانفراج في العلاقات الايرانية ـ الغربية، بما يعزّز مناخات الانفراج الدولي والاقليمي بالنسبة الى الأزمة السورية.
ويرى سياسيون مخضرمون ان السباق ما زال قائماً حول الأزمة السورية بين أطراف دولية واقليمية يتعزّز زخمها كل يوم من اجل ايجاد حلّ سياسي لهذه الأزمة، وبين اطراف دولية واقليمية أخرى بدأت تلهَث مُتعبة وهي تحاول إبقاء سوريا أسيرة الفتنة والموت الذي يحصد من الاطراف كلها.
فمَن سيربح هذا السباق؟
سؤال تحمل الاسابيع المقبلة الإجابة الحاسمة عنه.