
على عكس الفكرة السائدة عند العموم، عن ضياع المحور وأذرعه وتضعضعها، بعد ما منيت به من خسائر وهزائم وضربات أصابت هيكلياتها من رأس الهرم الى أسفله، وترساناتها، وبناها التحتية وبيئاتها الحاضنة، برز في الأسابيع القليلة الماضية، ثبات ووحدة وتنسيق في خطابات وأدبيات وسرديات وروايات واتهامات وفبركات مسؤولي وإعلاميي الذراع الإيراني في لبنان، بما يشبه الإغراق والإشباع في توسّل وتسوّل الإقناع ومحاولة إخفاء الوقائع والحقائق بالقناع.
فعلى سبيل المثال يكفي أن نستمع الى العضو في المكتب السياسي لـ”الحزب” الحاج وفيق صفا، لنعلم ماذا يمكن أن يقول أو يصرح أو يهدد به نائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي، ويكفي أن نقرأ في عواميد وحواشي صحيفة “الأخبار”، لنفهم الى ماذا يرمي اليه نعيم قاسم وما يرمي به محمد رعد أو حسن فضل الله… لتصبح ألسنة المذكورين وأقلامهم وحناجرهم وسهامهم مصوّبة على الداخل وتحديدًا على “فريق من السلطة، ومعه بعض القوى الطائفية” على ما صدر عن “الحزب” في آخر تحديث مكرر على لسان النائب حسن فضل الله، في الوقت الذي أعلن فيه رسميًا وفي آخر تحديث قابل للتعديل، عن احتلال إسرائيل لثماني وستين قرية وبلدة من الجنوب اللبناني و”الحزب” مزهوًا متحفزًا للاحتفال والاحتفاء بالذكرى السنوية السادسة والعشرين لتحرير الجنوب.
وفي نفس الإطار وفي آخر تحديثات السرديات، يقول فضل الله: “إن أولويتنا هي التصدي للعدوان الإسرائيلي”، متناسيًا أن أولوية الغيارى والحريصين على الأرض والعرض بحسب أدبيات المحور و”الحزب” البائدة، كانت وتبقى ـ مبدئًيا ـ درء العدوان وردعه ومنعه من احتلال ما سبق أن تحرّر مع إمكانية توسّع هذا الاحتلال… أما الذريعة والحجة والسردية لتبرير إمعان “الحزب” في مساهماته “المجيدة”، والتي تكررت في آخر تحديثات الممانعة على لسان النائب فضل الله بقوله “لم تقدم لنا طيلة المرحلة الماضية أي حلول سياسية تحفظ البلد وسيادته، ولم يكن أمام شعبنا من خيار سوى ممارسة حقه المشروع في الدفاع عن نفسه من خلال المقاومة”، فترد عليها الوقائع الملموسة على أرض الجنوب المهجرة ناسه والمدمرة معظم بيوته وبعضها الآيل للنسف والتفجير والتجريف. وما إقرار فضل الله ومن ورائه بقية ناقلي سرديات “الحزب” بأن ”الجنوب ينزف”، الا تصديقًا لما أقره نعيم قاسم عن سقوط الجنوب وحزبه وبيئته في فخ الاستنزاف بقوله: “نحن نتألم وهم يتألمون، نتألم أكثر صحيح”…
ومن يتابع السرديات الواردة في الخطابات والنشرات والمقالات المنسّقة، لا بدّ أن يلاحظ أن الجهد منصب على تخوين من أصبح يسميهم محور إيران في لبنان “السلطة”، أي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء، باستثناء وزيري “الحزب”، بعد أن اعتمد سابقًا استراتيجية “تحييد” الرئاسة الأولى على حساب تحميل خراب البلاد وبلاء العباد لرئيس الحكومة والوزراء السياديين وعلى رأسهم وزير الخارجية يوسف رجّي… ليدّعي زورًا على “السلطة” خذلانا وتآمرًا وانقلابًا، كما فعل فضل الله في التحديث الأخير، متناسيًا بأن لقوله: “نحن جزء من هذه الدولة وشعبنا لن يتخلى عن حقوقه وشراكته الحقيقية”، ردًّا رافضًا للسرديات والاتهامات، وطبعًا ردًا رافضًا قطعيًا لتوريطهم وتوريط لبنان بإسناد غزة وإيران من لبنان، يطلقهما بقية الشركاء والجزء الأكبر في هذه الدولة والشعب المتنوع الطوائف والأطياف الممثلة في الدولة ومؤسساتها كافة…
وتبقى دعوات الوحدة الوطنية التي أطلقها فضل الله ومن سبقه من الروائيين، ذرًا للرماد في العيون بما أن الحزب الإسلامي الشيعي الإثني عشري المرتبط عقائديًا، عضويًا، عسكريًا، ماديًا وسياسيًا بالولي الفقيه في إيران، ما زال يقرر منفردًا بأوامر الولي، متجاوزًا كل اللبنانيين، دولة، شعبًا ومؤسسات، بإدخال لبنان كل لبنان في أتون الحرب والدمار والانهيارات الاجتماعية والاقتصادية، حيث لا تنفع قنابل “الحزب” الصوتية الصادحة بالانتصارات الزائفة على العدو، والمخونة للشركاء اللبنانيين في الداخل.
.jpg)