تجاوز المشهد الداخلي، مع دخول الهدنة المشروطة يومها الثالث، مرحلة ترقب الخروقات البرية والجوية لينتقل مباشرة إلى مربع الفرز السياسي والدستوري الأكثر خطورة على مصير “التنظيم الإيراني” في لبنان وعقيدته الإقليمية. فالاستهدافات المركزة التي واصلتها الآلة العسكرية الإسرائيلية منذ ليل أمس وحتى ساعات الصباح الأولى، أكدت بالدم والنار دقة القراءة الاستراتيجية لمطبخ تل أبيب العسكري بقيادة يسراييل كاتس وإيال زامير؛ حيث لا يعكس هذا الهدوء المترنح اتفاقاً تقليدياً لوقف النار، بل هو إطباق أمني كامل لتثبيت تضاريس “الخط الأصفر” العازل كأمر واقع، وحوّل الأجواء اللبنانية إلى مسرح بتفويض مفتوح لسلاح الجو الإسرائيلي لتدمير أي حراك لوجستي أو تموضع تسليحي للحزب المحظور فوراً وبلا سقوف.
هذا الحصار الميداني الصارم والمسنود أميركياً يضع، وفق مصادر سياسية لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، المحور في مواجهة هستيرية مع “فوبيا ٢٩ أيار”؛ فمحطة البنتاغون الوشيكة لم تعد مجرد اجتماع تقني لتنسيق خطط انتشار الجيش اللبناني، بل تحولت في كواليس واشنطن المسربة إلى قفزة استراتيجية تؤسس لـ”غرفة عمليات ثلاثية” تضع فيها الإدارة الأميركية اللمسات الأخيرة لآليات الرقابة التكنولوجية الشاملة لضمان التفكيك الفوري والعلني للبنى التحتية المسلحة جنوب الليطاني.
وترى المصادر، أن هذا الامتثال القسري الذي يتكامل مع محادثات 2 و3 حزيران المقبل الدبلوماسية، هو ما يفسر ارتباك الميليشيا الإيرانية في لبنان وخروج نوابها وقيادييها بأدبيات تخوينية فجة يدعون فيها غياب الندّية في واشنطن، ويصفوت الشرعية بـ”الفريق الواحد الخادم للمشروع الصهيو- أميركي”، في محاولة يائسة للالتفاف على القرار السيادي والتبرؤ من هزيمة المشروع الإقليمي والاستمرار في التبعية لإيران.
لكن الوقائع السياسية في بيروت تثبت أن مفعول الترهيب والتلويح بفتن تاريخية من طراز “17 أيار جديد” قد انتهت صلاحيته؛ إذ أحدثت لغة الابتزاز هذه موجة سخط عارمة وغلياناً نيابياً وشعبياً سيادياً أعاد ضبط التوازنات تحت سقف الدستور.
لقد جاء الالتفاف الوطني حول بعبدا برئاسة جوزيف عون والسرايا الحكومية بقيادة نواف سلام ليعلن رسمياً سقوط “الفيتو المسلح” وولادة مرجعية شرعية موحدة لا تقبل الشراكة في قرار الحرب والسلم، لتجد الدويلة نفسها للمرة الأولى مجردة من غطائها التنفيذي ومطوّقة بأجندة دولية صارمة تضعها بين خيارين لا ثالث لهما: الامتثال المطلق لشروط التفكيك أو مواجهة التصفية الشاملة لبنيتها اللوجستية تحت عيون الأقمار الاصطناعية.

.jpg)