
في صورة واحدة تختصر الذهنية الإيرانية، نشرت سفارة “الحرس الثوري” رسماً يقول إن “لبنان هو قلب إيران”. غير أن الوقائع تؤكّد أن هذا الوطن، كلما كان في قلب طهران، غاص أكثر في جهنّم حروبها. فـ”الجمهورية الإسلامية” تتعامل معه كخاصرة رخوة وساحة رسائل، ومنصة صواريخ، وورقة تفاوض. ولو كان فعلا في قلبها، لما تُرك جنوبه يحترق، ولا قراه تُدمَّر، ولا أهله يُهجَّرون. ومن أجل الثأر لـ”الخامنئي”، بلغ عدّاد القتلى منذ الثاني من آذار حتى أمس، 3666، إضافة إلى 11321 جريحًا، وفق وزارة الصحة. ولم تبقَ صور، سيدة البحار وموطن الصيادين، بحاراتها العتيقة وذاكرتها المفتوحة على المتوسط، بعيدةً من هذا الجحيم، بعدما دفعت ثمن التصعيد مباشرةً مع شمول الإنذار الإسرائيلي بإخلاء المدينة، بما فيها، للمرّة الأولى، الحارة المسيحية.
في هذا السياق، يواصل رئيس الجمهورية جوزيف عون جهوده لتحقيق وقف شامل لإطلاق النار في الجنوب، بما يحميه من مزيد من التدمير والتهجير. بعد توسّع نطاق الإنذارات الإسرائيلية باتجاه صور، أشارت مصادر دبلوماسية لـ”نداء الوطن” إلى أن اتصالات عون بكلّ من السفير البابوي باولو بورجيا والسفير الأميركي ميشال عيسى، بالتوازي مع حركة رفيعة المستوى مع الإدارة الأميركية والفاتيكان، قد تفضي إلى نتائج إيجابية في ما يتعلّق بتحييد الحارة المسيحية. وتترافق هذه المساعي مع إجراءات يتخذها الجيش اللبناني على الأرض، بهدف حماية الحارة وتأمين عودة أهلها وضمان سلامتهم. وتوقعت المصادر أن تظهر نتائج هذه الحركة في الساعات المقبلة، بعدما أُبقيت قنوات التواصل مفتوحة بين بعبدا وكلّ من الفاتيكان وواشنطن.
توازيًا، ترى مصادر أمنية أن استهداف صور يشكّل فاتحة تصعيد جديد، نظراً إلى موقعها كعقدة جنوبية بين الساحل والقرى المحيطة والامتداد نحو صيدا والداخل. فهي تقع ضمن المجال الذي تخشى إسرائيل أن يُستخدم لإخفاء عناصر أو تخزين وسائل قتالية أو إدارة حركة لوجستية بعيداً نسبياً من الحدود المباشرة. وتضيف المصادر أن إسرائيل تبدو أميل إلى التوسيع بالنار لا إلى التقدّم الميداني، خصوصاً في مدينة تاريخية مثل صور، بما قد يرفع مستوى الضغط الدولي عليها، بسبب مكانة المدينة التراثية والإنسانية وإدراجها على لائحة التراث العالمي.
على هذا الخط الفاصل بين الميدان والسياسة، علمت “نداء الوطن” أن بعبدا تتحرّك على أكثر من مستوى لإحياء وقف إطلاق النار، ومنع التصعيد من فرض وقائع جديدة قبل الجولة المقبلة من المفاوضات. غير أن هذه الحركة تصطدم بواقع شديد التعقيد، إذ تشير المعطيات إلى وجود نية للتصعيد، في ظل عدم تجاوب “الحزب” مع المبادرات، ومضيّ إسرائيل في حربها، بحيث تبقى الضاحية محيّدة نسبياً، فيما يشتعل الجنوب بضراوة.
في موازاة حركة بعبدا، برزت في الأيام الماضية حركة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، إذ أفادت معلومات “نداء الوطن” بأنه على تواصل يومي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصاً بعد عودته من واشنطن، حيث شارك في الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية. وتشير المعلومات إلى أن عيسى يركّز في اتصالاته على استطلاع ردود فعل المكوّنات اللبنانية على كلام الرئيس الأميركي فيما يتعلّق بالاستعانة بقوات سورية للتعامل مع “الحزب”. وتكشف أن هذا الطرح، الذي خرج إلى العلن، لم يكن وليد لحظته، بل سبق أن نوقش داخل مراكز القرار في العاصمة الأميركية، وهو طرح جدّي لا يندرج في باب المناورة.