
بين قرار الحظر السعودي عن الصادرات اللبنانية عام 2021 وقرار رفعه اليوم، خسر لبنان مئات ملايين الدولارات من الصادرات وآلاف فرص العمل، لكنه خسر أيضاً ما هو أكثر أهمية: ثقة أحد أبرز شركائه الاقتصاديين في المنطقة. لذلك، تبدو أهمية القرار السعودي أبعد من إعادة فتح سوق استوردت يوماً ما يقارب ربع الصادرات اللبنانية، إذ إنه يعكس اقتناعاً بأن الإجراءات التي اتخذتها الدولة اللبنانية لضبط التهريب والمعابر باتت كافية لمنح المنتجات اللبنانية فرصة جديدة للعودة إلى الخليج.
أهمية القرار برأي وزير الصناعة جو عيسى الخوري، لا تقتصر على استعادة سوق كانت تستحوذ في مرحلة من المراحل على ما بين 28 و30% من إجمالي الصادرات اللبنانية، بل تشمل أيضاً إعادة فتح البوابة الخليجية أمام المنتجات اللبنانية بعد سنوات من الانقطاع.
فالسوق السعودية لم تكن مجرد وجهة استهلاكية كبرى، بل شكلت ممراً أساسياً لوصول المنتجات اللبنانية إلى عدد من دول الخليج، ما جعل تداعيات الحظر تتجاوز المملكة لتطال مجمل حركة التصدير اللبنانية في المنطقة.
ويعكس قرار الرياض، وفق عيسى الخوري، مستوى متقدماً من الثقة بالإجراءات التي اتخذتها الدولة اللبنانية لمعالجة الأسباب التي أدت إلى فرض الحظر أساساً. فالسعودية كانت قد أوقفت استيراد المنتجات اللبنانية عام 2021 على خلفية ضبط شحنات مخدرات، ولا سيما الكبتاغون، كانت تدخل إلى المملكة عبر شحنات تجارية، قبل أن يتوسع القرار لاحقاً ليشمل مختلف الواردات اللبنانية.
وخلال تلك المرحلة، لم تقتصر الخسائر على الجانب الاقتصادي، بل طالت صورة لبنان التقليدية في العالم العربي. ويختصر عيسى الخوري هذه المفارقة بالقول إن لبنان الذي عرف لعقود بتصدير الثقافة والفكر والكفايات العلمية والمهنية، وجد نفسه مرتبطاً بملفات التهريب والممنوعات، ما ألحق ضرراً بسمعته وعلاقاته الاقتصادية.
وفي المقابل، ساهمت الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال الفترة الماضية، من إقفال مصانع ومعامل غير شرعية وتشديد الرقابة على الحدود والمعابر ومراقبة عمليات التصدير، في استعادة جزء من الثقة العربية بقدرة لبنان على ضبط هذا الملف. كما لعبت الاتصالات السياسية والديبلوماسية دوراً أساسياً، ولا سيما المتابعة المباشرة من رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام مع القيادة السعودية.
فرصة للصناعة اللبنانية
ورغم تركيز الاهتمام على انعكاسات القرار على القطاع الزراعي، فإن الصناعة اللبنانية تبدو من أبرز المستفيدين من إعادة فتح السوق السعودية بعد خسارة واحدة من أهم وجهاتها التصديرية خلال السنوات الماضية.
فالصادرات اللبنانية إلى المملكة كانت تشمل طيفاً واسعاً من المنتجات الصناعية والغذائية، من الشوكولاتة والحلويات والمكسرات والمنتجات الزراعية المصنعة، إلى الصناعات الكيميائية والدوائية، والمولدات الكهربائية، والآلات والمعدات الصناعية، ومنتجات العناية الشخصية، وحفاضات الأطفال، والكتب، والمجوهرات والمنتجات البلاستيكية.
وراوحت قيمة الصادرات اللبنانية إلى السعودية بين عامي 2015 و2020 بين 240 و250 مليون دولار سنوياً كمعدل وسطي، ما يعكس حجم السوق السعودية بالنسبة إلى المنتج اللبناني وأهمية استعادتها اليوم.
القدرة على مضاعفة الإنتاج
ولا يرى عيسى الخوري أن الإفادة من القرار تتطلب استثمارات ضخمة بالضرورة، إذ إن جزءاً كبيراً من المصانع اللبنانية يعمل حالياً بأقل من طاقته الإنتاجية.
ففيما يبلغ معدل التشغيل في العديد من المصانع المحلية نحو 8 ساعات يومياً، تصل المعدلات المعتمدة في الدول الصناعية إلى ما بين 16 و17 ساعة يومياً. ومن هنا، يمكن لمجرد رفع معدلات التشغيل وإدخال بعض التحسينات على المعدات وخطوط الإنتاج أن يضاعف القدرة الإنتاجية والصادرات الصناعية من دون أعباء استثمارية كبيرة.
تعزيز الجودة والرقابة
وتوازياً مع تشديد الرقابة على عمليات التصدير، تعمل وزارة الصناعة على تعزيز منظومة الجودة والاعتماد من خلال إعادة تفعيل المجلس اللبناني للاعتماد “كوليباك”، المسؤول عن اعتماد المختبرات والمؤسسات المانحة لشهادات الجودة.
ويفترض أن يؤدي تفعيل هذا المجلس برأي عيسى الخوري إلى تعزيز الاعتراف العربي والدولي بشهادات المطابقة اللبنانية، بما يسهّل دخول المنتجات الوطنية إلى الأسواق الخارجية ويزيد ثقة المستوردين بها. كما أن اعتماد المختبرات وفق المعايير الدولية يمنح المنتجات اللبنانية مستويات أعلى من الموثوقية والقبول في الأسواق الخليجية والعالمية.
رسالة إلى المستثمرين
ويتجاوز القرار السعودي بعده التجاري المباشر ليحمل رسالة إلى المستثمرين اللبنانيين والعرب مفادها أن الدولة اللبنانية بدأت تستعيد تدريجياً قدرتها على فرض الرقابة واتخاذ القرارات المطلوبة لإعادة بناء الثقة.
ورغم الإقرار بأن وتيرة الإصلاحات لا تزال أبطأ مما يأمله كثيرون، فإن المسار العام، وفق الخوري، يسير في الاتجاه الصحيح، سواء في ملف مكافحة التهريب أو في إعادة ترميم العلاقات مع الدول العربية، وهو ما قد يشجع المستثمرين اللبنانيين في الخارج على العودة إلى الاستثمار وخلق فرص عمل جديدة.
ومع الترحيب الواسع برفع الحظر، يبقى التحدي الأساسي في الحفاظ على الثقة التي أعيد بناؤها. فاستعادة السوق السعودية بالكامل لن تتحقق بين ليلة وضحاها، كما أن أي تهاون في الرقابة قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.
لذلك، ينظر عيسى الخوري إلى القرار بوصفه بداية مرحلة جديدة لا نهايتها. مرحلة تتيح للاقتصاد اللبناني استعادة جزء من أسواقه التقليدية وزيادة صادراته واستقطاب استثمارات جديدة، شرط أن ينجح لبنان في تثبيت المعايير الرقابية التي أعادت فتح الأبواب أمام منتجاته من جديد.