
في “لبنان اليوم” تتداخل التطورات السياسية والدبلوماسية مع مسار تفاوضي يحدد مصير لبنان في المرحلة المقبلة. بينما يتقدّم الحراك العربي في محاولة لتثبيت موقف لبناني موحّد يفتح الباب أمام وقف إطلاق نار شامل يضع حدّاً لاستنزاف الجنوب، يبقى المسار معقّداً بفعل عرقلة “الحزب”، إذ تتحرك الدولة اللبنانية ضمن إطار رسمي يسعى إلى احتكار القرار التفاوضي عبر المؤسسات، فيما يفرض “الحزب” واقعاً ثقيلاً على الأرض يجعل أي تسوية رهناً بتوازنات دقيقة بين الدولة والوقائع العسكرية القائمة. هذا التباين بين القرار الرسمي والواقع الميداني يفشل أي محاولة لبناء موقف لبناني موحّد حول مستقبل الجنوب والدور العسكري والسياسي فيه.
في هذا السياق، قالت مصادر لبنانية لـ “الشرق الأوسط” إن هناك حراكاً عربياً صديقاً للبنان نشط خلال اليومين الماضيين، يعمل على ترتيب موقف يُساعد في المفاوضات، مشيرة إلى أن هذا المسار قد يُمهّد للقاء ثلاثي يجمع رؤساء الجمهورية جوزيف عون، والبرلمان نبيه بري، والحكومة نواف سلام، بهدف تقييم الوضع ووضع خطة تبدأ من وقف إطلاق النار وتمتد إلى مرحلة ما بعده. وأضافت المصادر أن الحراك العربي يتحرك على أكثر من محور، من وقف النار إلى انسحابات متبادلة، ودخول الجيش اللبناني، وتسليم سلاح “الحزب”، بما يضمن عودة السكان والاستقرار في الجنوب.
كما أفادت مصادر دبلوماسية لبنانية واسعة الاطلاع لـ«اللواء» بعدم ارتياحها للموقف الإسرائيلي المتشدد والمماطل خلال الجولة الرابعة من المفاوضات، محذّرة من استمرار التصعيد في ظل إصرار رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على توظيف الحرب في سياق داخلي انتخابي.
توازياً، كشفت المعلومات عن اتصالات مكثفة جرت خلال الـ24 ساعة الماضية بين مستشاري الرؤساء الثلاثة، تم خلالها بحث مقاربة خطة موحدة متكاملة تضمن وقفاً كاملاً لإطلاق النار، وذلك في ضوء زيارة المبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، والمواكبة القطرية للمسار، بما يعزز الدعم العربي للموقف اللبناني. وأكدت المصادر حصول تقدم كبير في هذه النقاشات، مع استمرار الاتصالات لتذليل النقاط الخلافية.
سياسياً، أشارت مصادر مطلعة عبر «اللواء» إلى أجواء إيجابية يجري إشاعتها حول قرب التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، في ضوء اتصالات مع إيران أبلغت “الحزب” بأن الاتفاق مع الولايات المتحدة يتضمن إنهاء الحرب في لبنان، مع حديث عن مهلة قصيرة قد تسبق الإعلان عن اتفاق، مع الإشارة إلى ترقب الموقف الإسرائيلي ومطالب الانسحاب، مقابل تساؤلات حول التزامات “الحزب” جنوب الليطاني.
في موازاة ذلك، نقل مصدر دبلوماسي مطلع على المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية التي ترعاها واشنطن لـ«الجمهورية» أن جوهر التفاوض يتجاوز وقف إطلاق النار إلى إعادة رسم مستقبل الجنوب اللبناني. ووفق المصدر، يتمسك لبنان بوقف النار والانسحاب الإسرائيلي وعودة السكان، فيما تسعى إسرائيل إلى تثبيت وقائع ميدانية جديدة وتحويلها إلى ترتيبات دائمة، مع استمرار طرح معادلة “شمال إسرائيل مقابل الضاحية الجنوبية”.
كما أوضح المصدر أن هناك تبايناً بين المقاربة الأميركية والإسرائيلية، إذ تسعى واشنطن إلى منع توسع الحرب إقليمياً، بينما تعمل إسرائيل على فرض منطقة عازلة في الجنوب. وفي المقابل، يطرح لبنان فكرة “المناطق التجريبية” لعودة الأهالي وانتشار الجيش، بدءاً من بنت جبيل أو الشقيف، كمدخل لتثبيت السيادة ومنع التهجير.
حذّر المصدر من محاولات إسرائيلية لفرض واقع أمني جديد يمتد إلى داخل الأراضي اللبنانية تحت ذريعة حماية المستوطنات، إلى جانب تضخيم أرقام انتشار “الحزب” جنوب الليطاني لتبرير استمرار السيطرة العسكرية. كما شدد على أن الولايات المتحدة ليست وسيطاً محايداً بالكامل، لكنها تعمل لمنع انفجار إقليمي واسع، في حين تسعى إسرائيل إلى تثبيت مكاسبها الميدانية.
أكد المصدر أن أي تسوية مستقبلية لا يمكن أن تنجح من دون انسحاب إسرائيلي كامل وعودة السكان وإطلاق إعادة الإعمار، محذراً من أن تثبيت “المناطق التجريبية” كأمر دائم يعني تكريس نتائج الحرب. ولفت إلى أن فصل المسار اللبناني عن الإيراني بات واضحاً، وأن مستقبل الجنوب سيتحدد أساساً بنتائج التفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي.
في السياق نفسه، نقل مسؤول أميركي رفيع لـ«نداء الوطن» أن التفاهم في لبنان يرتبط بوقف الأعمال العدائية من قبل “الحزب” وإيران، مؤكداً أن السلام يتطلب التزاماً متبادلاً، وأن أي استمرار في إطلاق الصواريخ أو التمويل سيعني خرق الاتفاق. كما أشار إلى أن الاتفاق الإقليمي مع إيران يتضمن وقف تمويل العنف واحترام سيادة الدول.
من جهتها، أكدت مصادر رسمية لـ«نداء الوطن» أن لبنان يترقب نتائج التفاهم الأميركي ـ الإيراني، مع تشديدها على أن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخوّلة التفاوض، بما يعزز فصل المسار اللبناني عن الإيراني. كما أشارت المعلومات إلى اجتماعات مرتقبة في واشنطن بين الدبلوماسيين والعسكريين اللبنانيين والإسرائيليين برعاية أميركية خلال حزيران، في إطار دفع مسار التهدئة.