
لبنان اليوم يقف عند تقاطع مرحلة إقليمية جديدة تتقدّم فيها التسويات السياسية على حساب الحروب المفتوحة، بعد التفاهم الأميركي – الإيراني الذي أعاد خلط أولويات المنطقة وفتح الباب أمام مرحلة مختلفة عنوانها احتواء التوترات وإدارة النزاعات. إلا أنّ المشهد اللبناني لا يبدو جزءاً من المقايضات الكبرى كما يحاول البعض تصويره، بل يتحرّك ضمن مسار مستقل تحكمه أولويات واضحة تتصل باستكمال التفاوض، وتثبيت الاستقرار، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز سلطة الدولة على كامل أراضيها. وبين محاولات الاستثمار السياسي في الاتفاق الجديد وبين الوقائع الميدانية والسياسية، نسأل ماذا يعني هذا التفاهم فعلياً للبنان؟
في هذا السياق، أكّدت أوساط سياسية مطلعة لـ«الجمهورية» أنّ الاتفاق الأميركي – الإيراني يقتصر في مرحلته الأولى على بندين أساسيين: الأول ضمان فتح مضيق هرمز وحماية الملاحة الدولية ومنع أي اضطراب يهدّد أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وهو هدف أميركي ملحّ بالنسبة إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب، والثاني يتصل بإيران التي تسعى إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والحصول على متنفس مالي يساعدها في مواجهة أزماتها الداخلية.
بحسب الأوساط نفسها، فإنّ الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني والدور الإقليمي لطهران، تمّ ترحيلها إلى مرحلة تفاوضية لاحقة ضمن المهلة المحددة بستين يوماً، ما يعني أنّ واشنطن تركّز حالياً على تثبيت الاستقرار النفطي والاقتصادي، فيما تسعى طهران إلى تحقيق انفراج اقتصادي يخفف من وطأة العقوبات.
شدّدت الأوساط لـ«الجمهورية» على أنّ الولايات المتحدة لم تتراجع عن أهدافها المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني أو بالنفوذ الإقليمي لطهران، وأنّ ملف الأذرع العسكرية التابعة لإيران بات جزءاً من مسار معالجة تدريجي، كما يظهر في العراق حيث تتجه الفصائل الموالية لطهران نحو الاندماج في مؤسسات الدولة والتخلي تدريجياً عن واقعها العسكري المستقل.
في المقابل، سارعت قوى الممانعة في لبنان إلى تقديم الاتفاق بوصفه انتصاراً إيرانياً جديداً، مستندة إلى ورود اسم لبنان في مذكرة التفاهم والتركيز على وقف الأعمال العدائية والسيادة اللبنانية. إلا أنّ مصادر سياسية اعتبرت أنّ المذكرة تتعلق أساساً بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، ولا تشمل بصورة مباشرة الجبهة اللبنانية، مؤكدة أنّ الحرب الدائرة على الأراضي اللبنانية لا يمكن أن تتوقف إلا عبر المسار التفاوضي الذي قررته الدولة اللبنانية، إلى جانب استكمال مسار حصر السلاح بيد الدولة.
في هذا الإطار، أكّد مصدر لـ«نداء الوطن» أنّ كل الدعوات التي أطلقتها شخصيات تدور في فلك «الحزب» لتغيير الحكومة بعد الاتفاق تبقى في إطار الاستهلاك السياسي المحلي، مشيراً إلى استمرار العمل في ملف حصر السلاح وعدم وجود أي تراجع عنه، وكاشفاً عن مساعٍ عربية واتصالات مع واشنطن وطهران للمساعدة في معالجة هذا الملف.
أما على المستوى الرسمي، فكشف مصدر سياسي رفيع لـ«نداء الوطن» أنّ بيانَي رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام عكسا مقاربة لبنانية حذرة تجاه التفاهم الأميركي – الإيراني، تقوم على الترحيب بأي خطوة تخفف التوتر، من دون اعتبار ما حصل ضمانة نهائية للاستقرار أو تحولاً حاسماً في المشهد الإقليمي.
أشار المصدر نفسه لـ«نداء الوطن» إلى أنّ تركيز البيانين على وقف الأعمال العسكرية والتخفيف من الأعباء عن اللبنانيين يعكس قناعة رسمية بأنّ لبنان لا يريد أن يكون طرفاً في تسجيل انتصارات سياسية لأي جهة، بل مستفيداً من أي تقاطع دولي يخفف عنه كلفة المواجهات. كما أنّ الحديث عن إعادة الإعمار وعودة الأهالي واستكمال المسار التفاوضي والانسحاب الإسرائيلي يؤكد أنّ الدولة تتعامل مع التفاهم باعتباره فرصة محتملة لا اتفاقاً نهائياً.
في السياق نفسه، أوضح مصدر رسمي لـ«نداء الوطن» أنّ لبنان يرحب بأي اتفاق يساهم في خفض النزاعات، لكنه يرفض اعتبار أنّ مصيره يُرسم خارج مؤسساته الدستورية. وأكد أنّ من يفاوض عن لبنان هو الدولة اللبنانية حصراً، وأنّ الاتفاق لم يضمن الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، ما يعني أنّ الملفات الأساسية، من الانسحاب ونشر الجيش وتثبيت وقف إطلاق النار وعودة الأسرى والنازحين، ستبقى مطروحة على طاولة المفاوضات التي ترعاها واشنطن.
من جهته، جزم دبلوماسي مطلع على ملف التفاوض اللبناني – الإسرائيلي المباشر لـ«الجمهورية» بأنّ انتهاء المواجهة الأميركية – الإسرائيلية مع إيران يشكل تطوراً إيجابياً للبنان لأنه يبعد خطر الحرب الشاملة، لكنه لا يعني إقفال الملف اللبناني أو حسم مصيره نهائياً.
أوضح أنّ الاتفاق يمنع الانزلاق إلى حرب واسعة، لكنه لا يوقف تلقائياً العمليات العسكرية المحدودة في الجنوب أو ما تسميه إسرائيل «المنطقة الصفراء»، مشيراً إلى أنّ الخروقات والغارات المحدودة استمرت منذ اليوم الأول لسريان التفاهم.
رأى المصدر الدبلوماسي أنّ النقطة الجوهرية تكمن في أنّ الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة لا يزال بنداً قائماً، إلا أنّ توقيته وآلياته لم يُحسما ضمن التفاهم الأميركي – الإيراني، بل تُركا لمعالجة خاصة في إطار المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية القائمة برعاية الولايات المتحدة.
أضاف أنّ ملف سلاح «الحزب» وعلاقته بإيران يشكلان جزءاً أساسياً من المناخ السياسي المحيط بهذه المفاوضات، في ظل إصرار أميركي على إنهاء أشكال الدعم العسكري والمالي الخارجي للحزب ضمن عملية إعادة ترتيب المشهد الإقليمي، معتبراً أنّ أي تقدم في هذا المسار من شأنه أن يعزز سلطة الدولة اللبنانية ويفتح الباب أمام إدارة ملف الانسحاب الإسرائيلي من موقع الدولة صاحبة القرار.
ختم محذراً من أنّ تعطيل المسار التفاوضي أو محاولة إفشاله سياسياً لن يؤدي إلى تسريع الانسحاب الإسرائيلي، بل قد يطيل أمد الاحتلال ويؤخر عودة الأهالي إلى قراهم ويعطل مسار إعادة الإعمار المنتظر.