
يُمثّل الهروب إلى الخداع الدبلوماسي الملاذ الأخير لمحور طهران لتسويق “استراحة محارب” مؤقتة كإنتصار موهوم، حجباً لكارثة حربي إسناد غزة وإيران؛ اللتين دمّرتا الجنوب وقسماً كبيراً من الضاحية الجنوبية والبقاع وأودت بحياة الآلاف فضلاً عن آلاف الجرحى. لكن الوقائع الميدانية تفضح انتهاء مرحلة “التوظيف الإقليمي” لدماء اللبنانيين بصفقة مباشرة مع واشنطن، لتنتزع الشرعية اللبنانية مساراً تفاوضياً سيادياً ومستقلاً ينهي حالة السلاح غير الشرعي بصورة نهائية لا رجعة عنها.
في هذا السياق، يشير المنسق العام لحركة “تحرر” من أجل لبنان، علي خليفة، إلى أن من لم يحقق شيئاً على الأرض يلجأ للخداع السياسي محاولاً من خلاله التسويق لما عجز عن تحقيقه، أو ما يمكن أن يُخفيه عبر هذا الخداع من فظاعة الواقع والكارثة الكبيرة التي أخذت خياراته اللبنانيين إليها. فالنظام الإيراني و”الحزب” يلجأون إلى استراتيجية الخداع السياسي والدبلوماسي؛ بمعنى أن “اتفاق الضرورة” أو “استراحة المحاربين” التي صنعتها الظروف بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، يحاول هذا المحور أن يذر الرماد في العيون وأن يخادع، من خلال التسويق بأن ما تم تحقيقه ليس تفاهم الضرورة وليس اتفاقاً مستقطعاً ومفاوضات على مدى 60 يوماً، إنما هو انتصار مؤزّر؛ وهنا المصيبة الكبيرة والتي ينفيها الواقع ويدحضها.
خليفة يوضح عبر موقع “القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “التوظيف” الذي كانت تطلبه إيران من “الحزب”، أي الطلب منه المزيد من التصعيد لتحسين ظروف مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، انتهى. توصلت طهران إلى صفقة مع واشنطن، وبالتالي لم يعد من حاجة لديها لتواصل الطلب من “الحزب” مواصلة التصعيد.
يضيف: “لكن فعلياً، ما حصل ليس وقفاً لإطلاق النار وليس انتصاراً، بل على العكس تماماً. فالاستهدافات الإسرائيلية في الجنوب لا تزال قائمة، وأهالي الجنوب الذين عاينوا الدمار الهائل الذي أصاب بيوتهم وممتلكاتهم وأرزاقهم عادوا بعد معاينتها على الفور، لأنهم لا يمكن أن يبقوا فيها لكونها غير صالحة للحياة، فضلاً عن أن استمرار الاستهدافات والغارات والقصف يمنع بقاءهم ويجعله مستحيلاً”.
بالتالي السؤال الذي يُطرح هنا، وفق خليفة، ما معنى أن تستمر الاستهدافات الإسرائيلية والغارات والقصف المدفعي والتوغل البري، على الرغم من إعلان قرب التوصل إلى توقيع اتفاق ما بين الولايات المتحدة وإيران؟. يعني أن لبنان مفصول تماماً عن إمكانية استخدامه كورقة من قبل النظام الإيراني بمفاوضاته، معتبراً أن هذا يُحسب للدبلوماسية اللبنانية وللدولة اللبنانية التي أقامت مساراً منفصلاً عن طاولة إسلام أباد، وعن أي طاولة يمكن أن تستجد في أوروبا، بين الولايات المتحدة وإيران.
ويلفت خليفة، إلى أن هناك طاولة مفاوضات مباشرة مستقلة وخاصة للبنان في واشنطن وتحظى باهتمام أساسي من الإدارة الأميركية، يفتتح جلساتها وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو. وبالتالي، هذا يعني أن هناك “لحظة اهتمام” بلبنان، والخيار الذي اتخذته الدولة اللبنانية يُبنى عليه وهو مسار تراكمي من النجاحات؛ وأهم نجاح فيه، أن لبنان لم يعد ورقة بيد إيران.
بتابع: “إيران يمكنها أن تمون على “الحزب” ليُسخِّن الجبهة أو لا، لكن ليس على الدولة اللبنانية. وبالتالي، استفادتنا في لبنان من الاتفاق الأميركي ـ الإيراني أنه كفَّ أذى “الحزب” الذي تستخدمه إيران للتسخين، لتحسين ظروف مفاوضاتها مع الولايات المتحدة للوصول إلى صفقة. حسناً، وصلت إيران إلى صفقة وسارع “الحزب” ليبارك لها. لكن مبروك على ماذا؟، على إتمام الصفقة على دماء الجنوبيين وعلى دمار الجنوب وتهجير أبنائه؟”.
“هذا هو السقف الحقيقي لما حصل”، يقول خليفة، ويضيف: “مقامرة بلبنان واللبنانيين عنوانها “الحزب” وإيران، ويريدون تسويقها لجمهورهم على أنه فرض شروط من قِبلهم ونصر، فيما الواقع يثبت العكس تماماً والاستهدافات والغارات والقصف مستمر”.
أما ما العمل إزاء هذا الواقع؟، فيؤكد خليفة أن خيار الدولة الذي اتخذته بالمفاوضات المباشرة هو طريق الخلاص، وهناك خطوات ستتوالى تباعاً للوصول إلى اتفاقية سلام؛ لأن السلام لوحده هو الوصفة المضادة للأنشطة الخارجة عن القانون التي يقوم بها “الحزب” وربط لبنان إلى ما شاء الله بالأجندة الإيرانية. مسار المفاوضات طويل لكنه بالتأكيد هو ما يحقق، وتحت غطاء الشرعية ومتطلبات السيادة الوطنية، مصلحة لبنان واللبنانيين.
ويتابع خليفة في السياق ذاته، أن “الاستهدافات التي تطال “الحزب” مفصولة تماماً عن مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل؛ بمعنى أنه مهما حصل في المنطقة، فإن أسباب الصدامات التي أدخلنا فيها “الحزب” يجب أن تنتهي. وبالتالي، الأمر الأساسي اليوم هو عدم الانزلاق إلى لعبة “الحزب” المكشوفة بحرف الأنظار عبر توجيه اتهاماته إلى الداخل اللبناني فضلاً عن الخداع الذي تمارسه الدبلوماسية الإيرانية، إنما الأساس اليوم هو الخلاص من السبب الذي أخذنا إلى هذه الحرب وهو سلاح “الحزب” ومنظومته”، لافتاً إلى أن مسار الأمور يُظهر أن هذا الأمر أصبح منفصلاً تماماً عمّا يمكن أن يحصل في المنطقة.
خليفة يرى أن محاولات رئيس مجلس النواب نبيه بري لربط ما يحصل أو ما يتحقق بمحور الممانعة وإبقاء لبنان تحت مظلة هذا المحور، لم تعد ذات جدوى أو قيمة أو فعالية، لأنه من الواضح أن مصلحة لبنان هي على طاولة واشنطن وليس على طاولة إسلام أباد. كذلك الخطاب الذي يخرج به المفتي الجعفري الشيخ أحمد قبلان، أصبح خارج السياق. هم يحاولون استغلال الغضب الشعبي المتصاعد، واستغلال النقمة على خياراتهم الكارثية المدمرة لتوجيهها باتجاه الدولة والحكومة، فيما هذا الغضب يجب أن يوجَّه إلى السبب الذي أخذنا إلى هذه الكارثة والذي هو تحديداً سلاح “الحزب”.
برأي خليفة، هناك “مومنتوم” إقليمي مساعد على هذا المستوى، وهناك أحداث في الميدان لا تتوقف، الاستهدافات مستمرة لـ”الحزب” وهناك فصل بينه وبين الدولة اللبنانية؛ إذاً نحن أقرب من أي وقت مضى إلى استمرار المسار الذي يهدف للقضاء على الأسباب التي دفعتنا وأخذتنا إلى هذه الحرب وبالتالي إنهاء حالة “الحزب” في لبنان، معرباً عن اعتقاده بأن فترة الـ60 يوماً ستمر على المستوى الإقليمي والدولي وتنقضي، والاتفاق مع إيران سيكون “اتفاق الضرورة المستقطعة واستراحة المحاربين”، وما سيلي هذه الفترة وفق ما تشير إليه كل التوقعات هو تجدد المواجهات وتصاعدها للقضاء على وظائف النظام الإيراني، وتحديداً تغذية أذرعه العسكرية في المنطقة، مؤكداً أن “لا رجوع عن هذا المسار، وبالتالي الانتهاء نهائياً من حالة “الحزب” في لبنان”.
