#dfp #adsense

خاص – من دمّر لبنان فعلاً؟ (شارل جبّور)

حجم الخط

طالعنا إبراهيم الأمين بمقالة اليوم أقل ما يُقال فيها إنها تحريضية، وتفتقر، كالعادة، إلى الحد الأدنى من الموضوعية، بعنوان: “السعودية مصرّة على تدمير لبنان”. والرد عليها لا يحتاج إلى كثير من التحليل أو التنظير، لأن الوقائع الملموسة تتحدث عن نفسها منذ عقود، وسنكتفي بالتركيز على العقدين الأخيرين، أي منذ خروج الاحتلال الأسدي من لبنان.

فالوقائع تثبت أن الجهة التي مارست سياسات التدمير الممنهج للدولة اللبنانية كانت “الحزب المحظور”، من خلال الإبقاء على السلاح خارج الشرعية، وربط لبنان بالمشروع الإيراني، وتعطيل المؤسسات الدستورية، وجر البلاد إلى حروب ومحاور لا مصلحة للبنانيين فيها.

فمن الذي خرج على الإجماع الوطني الذي تكرّس بعد انتفاضة الاستقلال، ورفض التسليم بقيام دولة سيدة وحرة ومستقلة؟ “الحزب”. ومن الذي استقال من الحكومة لإسقاط المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري، ثم حاصر السراي الحكومي لأشهر طويلة؟ “الحزب المحظور”. ومن الذي اجتاح بيروت في السابع من أيار مستخدماً السلاح الذي قيل كذباً وزوراً إنه مخصّص لمواجهة إسرائيل، فإذا به يُوجَّه إلى صدور اللبنانيين؟ “الحزب المحظور”.

ومن الذي اعتبر أن الدولة مجرد تفصيل، ووظيفتها تأمين الغطاء لمشروعه المسلح، وأن قرار الحرب والسلم حق حصري له؟ “الحزب المحظور”. ومن الذي تورّط في الحرب السورية، متدخلاً عسكرياً، ومشاركاً في قتل الشعب السوري، ومحوّلاً لبنان إلى ساحة ملحقة بالمشروع الإيراني؟ “الحزب المحظور”.

ومن الذي أعاد لبنان إلى دائرة الاستهداف الإسرائيلي عبر حربي إسناد غزة وإسناد إيران، وأبقاه رهينة معادلات إيرانية تخريبية وتوسعية لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية اللبنانية؟ “الحزب المحظور”. ومن الذي ارتبط اسمه باغتيال الرئيس رفيق الحريري وعشرات السياسيين والإعلاميين والكوادر الذين شكّلوا رافعة انتفاضة الاستقلال؟ “الحزب المحظور”.

ومن الذي وفّر الغطاء لمنظومة الفساد والمحاصصة التي استباحت الدولة، ومنع قيام سلطة فعلية قادرة على المحاسبة والإصلاح، وأسهم في تكريس اقتصاد منهار، ومؤسسات مشلولة، ودولة عاجزة عن ممارسة أبسط وظائفها؟ “الحزب المحظور”.

في المقابل، ماذا فعلت المملكة العربية السعودية؟ هل احتلت بيروت؟ هل أنشأت ميليشيا؟ هل فرضت سلاحاً على اللبنانيين؟ هل عطّلت الانتخابات والمؤسسات؟ هل وقفت يوماً ضد الجيش اللبناني أو القوى الأمنية أو الشرعية الدستورية؟

الحقيقة أن المملكة دعمت على الدوام الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. وعندما تراجعت علاقاتها مع لبنان خلال السنوات الماضية، لم يكن ذلك عداءً للبنان، بل نتيجة تحوّل الدولة اللبنانية إلى منصة لتهريب الكبتاغون والمخدرات والممنوعات الأخرى، بما استهدف أمن المملكة ومصالحها، بفعل السياسات التي فرضها “الحزب المحظور”.

وما إن بدأت الدولة اللبنانية تستعيد حضورها، حتى بادرت المملكة إلى إعادة فتح أبوابها أمام لبنان، ورفع القيود عن الصادرات اللبنانية على أنواعها، بما يؤمّن مورداً اقتصادياً مهماً للبنان يتجاوز المليار دولار سنوياً( وهذا الأمر لا يهم الأمين طبعاً لأن المليارات تأتيهم من إيران). وهذا يؤكد مجدداً أنها تتعامل مع لبنان بوصفه دولة وشعباً، لا ساحة نفوذ أو ورقة تفاوض.

من الواضح أن الفريق الذي يقف وراء إبراهيم الأمين منزعج من دعم المملكة للدولة والشعب اللبناني. ولا تفسير لهذا الخطاب العدائي إلا أن المملكة تريد مصلحة لبنان واللبنانيين. ولولا المبادرة السعودية التي قادها الأمير يزيد بن فرحان، لكان لبنان ربما لا يزال يعيش فراغاً رئاسياً، أو كان دخل في مواجهة سياسية داخلية أكثر تعقيداً. وقد كان الهدف السعودي واضحاً: إعادة الحيوية إلى المؤسسات والشرعية، علماً أن المملكة لم تتدخل لا في تسمية رئيس الحكومة ولا في تشكيل الحكومة، بل انصبّ اهتمامها على إعادة الحياة إلى الدولة ومؤسساتها بعدما أصر الحزب المحظور على خنقها وتعطيلها.

وكل حديث عن “التدخل السعودي” في لبنان يفتقد إلى الحد الأدنى من المنطق السياسي، ويتناقض مع الوقائع التي يعرفها القاصي والداني، لأن المملكة اختارت، باستمرار، دعم المؤسسات الشرعية والدستور اللبناني وحصرية السلاح بيد الدولة، وهو مطلب رفعه اللبنانيون أنفسهم قبل أن تتبناه أي دولة أخرى.

وكانت “القوات اللبنانية” أول من دفع ثمن المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة وتسليم “الحزب” سلاحه وحلّ تنظيمه العسكري، إذ دفعت ثمن هذا الموقف حلاً للحزب، واعتقالاً لرئيسها الدكتور سمير جعجع، وملاحقة لآلاف من كوادرها ومناصريها. ثم تحوّل هذا المطلب تدريجياً إلى مطلب وطني جامع، تشهد عليه انتفاضة الاستقلال ونتائج انتخابات عامي 2005 و2009. وللتذكير، كان السيد حسن نصرالله قد تعهّد عام 2008 بعدم المشاركة في الحكومة إذا خسر فريقه الانتخابات النيابية عام 2009، لكنه عاد وتراجع عن التزامه، كما تراجع عن تعهدات أخرى سبق أن قطعها على طاولات الحوار.

واليوم، بات “الحزب المحظور” يفتقر إلى حلفاء فعليين داخل البيئة الوطنية اللبنانية، فلا صديق له ولا حليف، ويمكن لأي استطلاع رأي جدي حول سلاحه أن يُظهر أن غالبية اللبنانيين باتت تعتبر أن هذا السلاح كان سبباً رئيسياً في تدمير لبنان وإدخاله في الحروب والأزمات. وبالتالي، فإن مطلب تسليم السلاح وحل البنية العسكرية والأمنية للحزب هو مطلب لبناني ودستوري وسيادي قبل أن يكون مطلباً خارجياً.

ولعل أكثر ما يكشف حجم المأزق الذي يعيشه أصحاب هذا الخطاب أنهم لا يزالون عاجزين عن استيعاب التحول الذي شهده لبنان بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وحجم الاحتضان العربي والدولي غير المسبوق للدولة اللبنانية. فالعالم بأسره، من الدول العربية إلى العواصم الغربية، يتعامل اليوم مع الشرعية اللبنانية باعتبارها المرجعية الوحيدة، ويدعم بسط سيادتها على كامل أراضيها.

إن المشكلة الحقيقية التي يعانيها لبنان اليوم تكمن في مشروع “الحزب المحظور” الذي رفض ويرفض الدولة، ويعتبر نفسه فوقها. فلبنان لم يدمّره من دعمه مالياً وسياسياً وعربياً، بل من صادر قراره الوطني، وربطه بالمحور الإيراني، وحوّل أرضه إلى منصة للحروب الإيرانية وأهدافها التوسعية.

ومن يريد إنقاذ لبنان، عليه أن يتوقف عن اختراع خصوم وهميين، وأن يمتلك الشجاعة للاعتراف بالحقيقة الواضحة: لا قيام للبنان الدولة ما دام هناك من يصرّ على إبقائه رهينة السلاح الإيراني، ولا قيام للبنان الدولة من دعم أصدقائه وفي طليعتهم المملكة العربية السعودية.

والمطلوب اليوم، وبوضوح، محاسبة من ورّط لبنان في الحروب، ومن يحرّض على علاقاته بالدول الصديقة وفي طليعتها المملكة العربية السعودية، ودعم المسار التفاوضي الذي يقوده رئيس الجمهورية، والمسار الإصلاحي والسيادي الذي تقوده الحكومة، من أجل إنهاء الحرب، وحصر السلاح بيد الدولة، ونقل لبنان من موقع الساحة إلى موقع الوطن.

خبر عاجل