.jpg)
يكفي أن ترى ردود الفعل لتعرف حجم التحول منذ الإعلان عن الاتفاق الإطاري، رأينا من اعتادوا إدارة لبنان بمنطق القوة يشعرون بالقلق نزول الشباب إلى الشارع، وانتشار مشاهد الاستعراض، لم يكن تعبيرًا عن قوة… بل عن خوف من مرحلة جديدة عنوانها: الدولة ..لو لم يكن هذا الاتفاق مؤثرًا، لما كل هذه الضجة؟ أوجّه تحية إلى فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وإلى دولة رئيس الحكومة نواف سلام، وإلى كل من ساهم في فتح هذا المسار.لكن علينا أن نقول الحقيقة ..لبنان لا يحتاج إلى احتفال جديد. لبنان يحتاج إلى نهاية مرحلة. خفّفوا التباهي ووعوا على حالكم من سكرة ونشوة الانتصار. خفّفوا الفوقية والاستعلاء، وكفى عنترة علينا. الله يرحم الذين ماتوا، ماتوا من أجل مشروع أجنبي إيراني. خرج مسؤول إيراني وقال إن 4آلاف لبناني ماتوا من أجل إيران، وأنتم مبسوطون بذلك. تعترضون على الاتفاق الذي سينهي الاحتلال تعترضون على انسحاب الجيش الاسرائيلي ؟تعترضون على تسلم وانتشار وحدات الجيش اللبناني ؟
انكشفتوا ما بدكن لا ارض ولا تحرير ولا جنوب ولا لبنان بدكم يبقى السلاح .. طلع السلاح عندكم اهم من الناس والأرض والدولة.
خفّفوا التباهي ووعوا على حالكم من سكرة ونشوة الانتصار. خفّفوا الفوقية والاستعلاء، وتوقفوا عن الرقص على قبور الضحايا، وكفى عنترة علينا. الله يرحم الذين ماتوا، ماتوا من أجل مشروع أجنبي إيراني. خرج مسؤول إيراني وقال إن 4آلاف لبناني ماتوا من أجل إيران، وأنتم مبسوطون بذلك. فإذا كان الهدف اليوم وقف إطلاق النار وإعادة إعمار القرى وعودة الأهالي، فلماذا سقط كل هؤلاء الضحايا ولماذا دُمّرت القرى؟
كيف نطلب من العالم أن يستثمر في لبنان فيما الدولة عاجزة عن تغيير موظف تحميه مرجعيته السياسية؟ وكيف نعرض إقامة ذهبية بـ500 ألف دولار فيما أكثر من 550 ألف لبناني هاجروا منذ عام 2020 بحثًا عن فرصة وحياة كريمة؟ أي رسالة نوجهها للعالم فيما أبناء البلد يهاجرون منه؟
المشكلة ليست الحرب فقط، ولا الاحتلال فقط، ولا التدخل الإيراني فقط. المشكلة أننا لم نبنِ دولة طبيعية؛ دولة فيها قانون واحد، ومؤسسات تعمل فوق الجميع، وقرار لا يخضع لموازين النفوذ. لدينا محميات ومناطق نفوذ ومؤسسات تُدار بمنطق مختلف، وهذا يمنع قيام الدولة من سيستثمر في بلد أموال مودعيه محتجزة، والمحاسبة غائبة، ولا يعرف أحد فيه من يحكم القرار الفعلي؟ لا إصلاح اقتصاديًا بلا دولة، ولا ثقة بلا قضاء مستقل، ولا نهوض بوجود دويلة داخل الدولة. لبنان اليوم لا يُدار كدولة، بل كتجميع قوى متوازية، ولكل منها حق التعطيل، وهكذا تنهار الأوطان.
في ظل التحولات الكبرى، يتصرف البعض وكأن لبنان تفصيل على هامش الخرائط الجديدة. لبنان ليس جائزة ترضية، وليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا أرضًا سائبة للمشاريع الخارجية. لا أحد يستطيع تغيير هوية لبنان أو فرض امتيازات دائمة بقوة السلاح أو عبر استغلال الظروف. لبنان كان وسيبقى وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، ولا مكان فيه لمنطق الفرض والإلغاء والاستقواء.
أما الوقاحة السياسية، فهي استمرار رفع الصور والشعارات الإيرانية على طريق المطار وفي المرافق العامة، وكأن الدولة غير موجودة. لبنان ليس محافظة إيرانية، ولن يكون، وليس ملحقًا بأي محور، ولن يكون.. وأؤكد بوضوح: كما واجهنا مشروع حزب الله السياسي والعسكري، وواجهنا الهيمنة الإيرانية بالسياسة والقضاء يوم كان كثيرون يلتزمون الصمت، فإننا لم نفعل ذلك لنستبدلها بأي هيمنة أو احتلال آخر. ولذلك فإن كل الدعوات إلى دخول قوات سورية إلى لبنان مرفوضة رفضًا قاطعًا ملف السلاح فُتح على مصراعيه، ولا عودة إلى الوراء.
انتهى زمن التسويات التي تُبقي الدولة مكبلة. على الدولة أن تستعيد كامل صلاحياتها، لأن احتكار القوة هو شرط قيام الدولة، وليس بندًا للتفاوض وللولايات المتحدة دور أساسي في كبح النفوذ الإيراني في لبنان، لأن تفكيك هذا النفوذ هو المدخل الحقيقي لإنهاء الدويلة داخل الدولة. ومن يخرج عن منطق الدولة يجب أن يُواجَه بحزم، لأن إنهاء الدويلة هو الشرط الأول لقيام دولة حقيقية .. وأي قوة أجنبية تحاول التعامل مع لبنان كأرض مستباحة سنقف في وجهها. نحن الذين واجهنا جيش الأسد يوم كان كثيرون يخشون مجرد قول الحقيقة، وواجهنا الاحتلال السوري ودفعنا أثمانًا باهظة، سنقف أيضًا في وجه أي وجود عسكري أجنبي جديد، أيًا كانت هويته أو الراية التي يرفعها. نحن لا نستبدل احتلالًا باحتلال، ولا وصاية بوصاية، ولا تبعية بتبعية
من هنا، فإن دعم الدولة والشرعية والمؤسسات واجب وطني. وعلى الدولة اللبنانية أن تنهي أزمة السلاح، وأن تمارس كامل صلاحياتها، وإذا اقتضى الأمر فبقوة القانون والشرعية. عندما تقوم الدولة بوظيفتها، لن يُفتح الباب أمام أي تدخل أجنبي. فالدولة لا تُبنى بالتسوّل السياسي، ولا تستعير سيادتها من أحد، بل تستمد قوتها من شعبها، وجيشها، ودستورها، ومؤسساتها، ومن قانون يعلو فوق الجميع.
رسالتي الى مؤيدي “الحزب”
رسالتي إلى مؤيدي “الحزب” وبيئته: أنا لا أريد إلغاءكم، ولا أريد أن أهزمكم، بل أريد أن أعيش معكم. لكن ليس على حساب حريتي، ولا على حساب دولتي، ولا في ظل مشروعٍ لا يشبه لبنان. أريدكم إخوةً في الوطن، لبنانيين أولًا وأخيرًا، لا جنودًا في أي مشروعٍ خارج حدوده.
فإن كان المطلوب منّا أن نتخلى عن حريتنا كي نرضى بالأمر الواقع، فالجواب قاله البطريرك مار نصرالله بطرس صفير منذ سنوات: “إذا خُيّرنا بين الحرية والعيش المشترك، اخترنا الحرية”
لأن العيش المشترك الذي يُفرض بالقوة ليس عيشًا مشتركًا، والوطن الذي تُصادر دولته ليس وطنًا. الحرية هي أغلى ما نملك… ومن أجلها وُجد لبنان، ومن دونها لا يبقى لبنان.