.jpg)
في لبنان، لا تنقصنا العبقرية السياسية. نحن البلد الوحيد تقريباً الذي يستطيع فيه فريق أن يفتح جبهة، ثم يتفاجأ بأن “العدو” دخل. يجرّ البلد إلى الحرب، ثم يخرج على الناس ليشرح لهم، بكل هدوء وثقة، أن الاحتلال مؤامرة كونية لا علاقة لها بقراره. وبعد ذلك، حين يُطرح اتفاق قد يفتح الباب أمام الانسحاب، يرفضه باسم السيادة.
جميل جداً. يعني باختصار: ندخل الحرب “دعماً وانتقاماً”، نُدمّر الجنوب صموداً”، تأتي إسرائيل وتحتل نقاطاً ومناطق “عدواناً”، ثم عندما تظهر فرصة لإخراجها وانتشار الدولة والجيش، نصرخ: “لا، هذا اتفاق مذل!”.
السؤال البسيط: وما هو غير المذل بالضبط؟ أن تبقى إسرائيل في الجنوب؟ أن يبقى اللبنانيون ينتظرون تحريراً جديداً من السلاح نفسه الذي جلب لهم الاحتلال الجديد؟ أم أن نترك الجنوب معلقاً بين طائرة إسرائيلية في السماء وخطاب مقاومة على الشاشة؟
قبل قرار “الحزب” فتح الجبهة لـ”ينتقم.. من نفسه”، لم يكن لبنان أمام هذا المشهد: إسرائيل داخل مناطق جنوبية جديدة، قرى مدمّرة، سكان نازحون، دولة تتوسل فرصة سياسية لإخراج الاحتلال، وحزب يشرح للناس أن الحل خيانة. قبل الحرب، لم يكن هناك هذا الاحتلال. هذه ليست معادلة فلسفية معقدة، بل هي نتيجة سياسية واضحة: قرار خارج الدولة أدخل لبنان في مواجهة، ولبنان كله يدفع الفاتورة.
لكن طبعاً في قاموس الممانعة، السبب ليس من أطلق النار. السبب هو من يحاول وقف النار. المشكلة ليست في من فتح الجبهة بلا قرار وطني، بل في من يبحث عن اتفاق ليخرج إسرائيل. الكارثة ليست أن الجنوب أصبح ورقة في حرب إقليمية لا دخل لنا فيها، بل أن هناك من يقول: فلنعد الجنوب إلى الدولة.
يا لها من فضيحة فعلاً: دولة تريد أن تستعيد أرضها عبر الجيش والاتفاقات! أين حق اللبنانيين بأن يعيشوا كل عشر سنوات حرباً جديدة كي يقتنعوا أن المقاومة لا تزال ضرورية؟
اتفاق الإطار، بكل ما يمكن أن يُقال عنه وبكل ما قد يحمل من ثغرات ونواقص، يطرح سؤالاً لا يريد “الحزب” المحظور سماعه: إذا كان الهدف إخراج إسرائيل، فلماذا رفض المسار الذي قد يؤدي إلى ذلك؟ وإذا كان الاتفاق لا يعجبكم، أين البديل؟ هل البديل حرب جديدة؟ هل البديل انتظار قرار إيراني؟ هل البديل أن تبقى إسرائيل حيث هي حتى تنضج ظروف “النصر الإلهي” المقبل؟
المفارقة أن هذا “الحزب” يرفض الاتفاق بحجة أنه يشرعن الاحتلال. لكن ما الذي يشرعن بقاء الاحتلال أكثر: اتفاق يسعى إلى ترتيب انسحاب وانتشار الجيش، أم فراغ سياسي وعسكري يسمح لإسرائيل بأن تقول إنها باقية بسبب تهديد “الحزب”؟ من يعطي إسرائيل الذريعة الأكبر؟ من يفتح جبهة بلا دولة؟ أم من يحاول إغلاقها عبر الدولة؟
هنا تصبح السخرية مُرّة. لأن “الحزب” يريد أن يكون صاحب قرار الحرب وسببها، لكنه لا يريد أن يتحمل مسؤولية نتائجها. يريد أن يقول إنه “حمى لبنان”، لكن حين تسأل: لماذا دخلت إسرائيل إذاً؟ يصبح الجواب طويلاً جداً. مؤامرات، “أمريكا”، إسرائيل، التطبيع، العملاء، الضغوط، السيادة، الكرامة… كل شيء حاضر، إلا الجملة الوحيدة الغائبة: نحن اتخذنا قراراً وكلّفنا لبنان ثمناً هائلاً.
الجنوب لا يحتاج إلى قصائد جديدة، بل يحتاج إلى سكانه. يحتاج إلى منازل لا تُقصف كل أسبوع، إلى جيش واحد، قرار واحد، دولة واحدة. لا يحتاج إلى حزب يقرر الحرب ثم يفاوض بالدم، ولا إلى محور يعتبر القرى اللبنانية صندوق بريد بين طهران وتل أبيب.
لذلك، يصبح رفض اتفاق الإطار موقفاً يحتاج إلى تفسير لا إلى شعارات. من يرفض الاتفاق عليه أن يجيب: كيف ستخرج إسرائيل؟ ليس بخطاب. ليس ببيان. ليس بعبارة “المقاومة كفيلة”. جربنا هذه “الكفالة”، والنتيجة أن إسرائيل عادت إلى الأراضي اللبنانية.. جربنا معادلة “الردع”، فإذا بالردع يتحول إلى دمار ونزوح واحتلال جديد.
نعم، اتفاق الإطار ليس مثالياً، ولا أحد يقول إن إسرائيل تحترم الاتفاقات حباً بلبنان، لكن السياسة لا تُدار بالأُمنيات. إذا كان هناك مسار يفتح نافذة لإخراج إسرائيل، فالرفض المطلق له يعني عملياً قبول استمرار الاحتلال. وإذا كان “الحزب” يرفض الاتفاق لأنه يمس بسلاحه، فليقل ذلك بوضوح: المشكلة ليست في الاحتلال، المشكلة في أن خروج الاحتلال هذه المرة قد يمر عبر الدولة لا عبر “الحزب”.
“الحزب” لا يخاف فقط من اتفاق سيء، بل يخاف من اتفاق يطرح سؤالاً أخطر: ماذا يبقى من وظيفة السلاح إذا تولى الجيش الجنوب؟ ماذا يبقى من “المقاومة المزعومة” إذا حصل الانسحاب الإسرائيلي نتيجة تفاوض وضمانات وانتشار دولة؟ ماذا يبقى من خطاب التحرير إذا تبيّن أن السلاح الذي قيل إنه يحرر الأرض صار سبباً لبقاء العدو فوقها؟
من حق اللبنانيين أن يسألوا بسخرية، وربما بغضب: هل المطلوب أن نبقي إسرائيل في لبنان كي يبقى خطاب المقاومة مقنعاً؟ هل المطلوب أن نرفض أي اتفاق لأن نجاحه قد يكشف أن الدولة قادرة، وأن السلاح الموازي لم يعد قدراً؟
من يرفض اتفاق الإطار عليه أن يقدم طريقاً آخر للانسحاب. أما أن يجرّ لبنان إلى الحرب، ثم يجلب الاحتلال، ثم يرفض المخرج، ثم يتهم الآخرين بالتفريط، فهذه ليست مقاومة. هذه إدارة ممتازة للكوارث… بشرط أن يدفع اللبنانيون الفاتورة دائماً.
في النهاية، السؤال ليس هل اتفاق الإطار “جميل أم قبيح”، بل السؤال أبسط وأكثر قسوة: هل نريد أن تخرج إسرائيل من لبنان أم لا؟ إذا كان الجواب نعم، فلنبحث في الاتفاق ونحصّنه ونفرض انتشار الجيش ونستعيد الدولة. أما إذا كان الجواب لا، فلنكن صريحين: هناك من لا يريد خروج الاحتلال إلا إذا خرج على يديه. وحتى يحين ذلك، لا مشكلة أن يبقى الاحتلال قليلاً… كي يبقى السلاح كثيراً.
