#adsense

“التّدخل السّوري” المشؤوم: ليكن الموقف قاطعاً!

حجم الخط

صحيفة النهار – نبيل بومنصف

ليس مشهوداً عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من جملة ميزاته الأكثر من أن تُحصى بعجالة، شغفه بتاريخ الدول التي يحتفي الآن بانضمامها أو بتثبيت وتعزيز وتقوية عرى تحالفاتها مع الولايات المتحدة الأميركية. ولا نعتقد أن استقباله الأول للرئيس جوزف عون، الآتي من بلد اعتصرته حروب الآخرين على أرضه، سيتّسع لسرديات تاريخيّة معززة ومطوّلة أمام إلحاح أولويات الحاضر لبنانياً وأميركياً وشرق أوسطياً.

 

مع ذلك، من غير الحكمة تجاهل إمكان مرور اللقاء المنتظر من الرئيس اللبناني منذ انتخابه، من دون إثارة موضوع ليس هامشياً إطلاقاً ويُفترض أن يتسع للتعمق بعض الشيء، هو الإصرار المثير للذهول لدى الرئيس الأميركي على تحريض الرئيس الانتقالي في سوريا أحمد الشرع على التدخل، “الحميد” أو سواه من وجوه التدخل، في لبنان. ذلك أن الاتّكاء اللبناني الرسمي على وساطة الإدارة الأميركية الحالية ورعايتها وثقلها، في الخيار التفاوضي الذي اختطه الحكم اللبناني، وإن كان يعتبر أهم  الخيارات الاستراتيجية إطلاقاً التي أقدم عليها، لا يغني في المقابل عن مصارحة ذات خلفية واقعية واستراتيجية لهذه الإدارة لا تقل جرأة في ملف لبنان وسوريا.

 

والمقصود تحديداً هنا ليس فقط إعلاء الصوت بكل صراحة برفض “أبديّ” لأي مسلك ضمني أو مباشر من مسالك استعادة التدخل العسكري أو الأمني أو السياسي السوري في لبنان، وهذا تحصيل حاصل لا موجب للخوض في بداهته، وإنما أكثر، أي التركيز الصريح الشفاف على رفض الاستعادات الأميركية تحديداً في سردية “تلزيم” لبنان لسوريا. لا ضير، بل لا بد في ذلك من وقفة أكثر من عابرة عند أحد العوامل “المفتاحية” لكوارث لبنان في بدايات الحرب التي سُميت تآمراً في السبعينيات حرباً أهلية وهي لم تكن كذلك إلا لاحقاً لأنها بدأت لبنانية فلسطينية، ومن ثم تعفّنت بفعل الاستباحات وصارت مزيجاً قاتلاً متفاعلاً بين الحروب الخارجية والأهلية.

 

آنذاك انهار لبنان أيضاً بسبب التسليم الأميركي لحافظ الأسد بالتدخل بعدما تقاطعت موافقته مع موافقة إسرائيل على تنظيم الخطوط الحمراء في تقاسم لبنان برعاية هنري كيسينجر. لم تكن تلك سوى البداية، إذ تعاقبت عهود تلو العهود في لبنان وولايات تلو الولايات الرئاسية في أميركا، وكان الموقف الأميركي يعلو ويهبط تبعاً لظروف المصالح الأميركية مع أنظمة المنطقة وإسرائيل، فيما لبنان يُسحق سحقاً وسط الحروب ودمار السلطة والأمن.

 

شكّل التدخل الأميركي بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982  رافعة أساسية للدولة الشرعية في عهد الرئيس أمين الجميل وصولاً إلى اتفاق 17 أيار 1983، مع اندفاع داخلي لدعم العهد تُرجم بدعم عسكري ثقيل لـ الجيش اللبناني ولو بكلفة باهظة قياساً بوضع الدولة في حينه، إلى أوجه أخرى من الدعم. مهما قيل في أسباب إسقاط ذاك الاتفاق، فإنها لا تحجب واقعة التحالف اللبناني الأميركي الذي كان فيه الكثير من وجوه الشبه مع الحقبة الحالية. ولكن، للتاريخ أيضاً، فإن أميركا عادت لتدير ظهرها طويلاً لما سمّاه يوماً جورج شولتز “المستنقع” أو الكرنتينا.

 

حصلت إدارة الظهر بخطورة عالية بعد “فجر” الإرهاب الإيراني الدموي الذي ضرب السفارة الأميركية ومن ثم المارينز والمظليين الفرنسيين واستباح خطف الأجانب وكان التلزيم الأخطر بترك الوصاية للنظام الأسدي بشراكة نظام الملالي حتى “انفجار” عام 2005. ليست هواية تاريخيّة التذكير بحقائق فادحة كهذه، أقله لوقف إهانة لبنان للأبد.

المصدر:
النهار

خبر عاجل