يبدو ان جبران باسيل لم يتعّظ من دروس هزيمته الإنتخابية النكراء في البترون، ولا من الإستقالات والإنشقاقات المتتالية في صفوف التيار العوني التي تسببّ بها، مستغّلاً مصاهرته للعماد ميشال عون.
لم يفقه جبران باسيل حتى هذه اللحظة، ان زمن "الطنطور"، والتوريث السياسي ولّى الى غير رجعة، وأنه كلمّا حاول إحياء هذا الزمن البائد، تحت الف ستارٍ او شعار او ديكور، كلمّا ادّى ذلك الى تراجع تيّاره السياسي خطواتٍ إضافية الى الوراء…
لم يفقه جبران باسيل كذلك، ان طريق الوصولية، والإحتكار، والحقد، والكذب، والإستفزاز الرخيص، لم يجلب له سوى الكراهية والإحتقار والإشمئزاز، حتى ضمن تياره السياسي بالذات.
وكأن "مناقصةً" بغيضةً رست على المدعو جبران باسيل أخيراً، ينّص دفتر شروطها، لا على استجرار بواخر مقابل سمسراتٍ فحسب، وإنما على بثّ التفرقة والبغضاء والحقد داخل المجتمع المسيحي…
من كان ليسمع بجبران باسيل لو لم يكن صهر الجنرال؟؟
التوريث السياسي يبقى توريثاً، حتى ولو ارتدى ثوب إصلاحٍ أو تغيير مُفترض…
لم يُخرج اللبنانيون الإحتلال من لبنان ليُسلّطوا عوضه، سيف الإقطاع، والتوريث، والزبائنية…
مهما قيل، وبالرغم من كل المساحيق التجميلية الفاقعة، يبقى جبران باسيل نكرةً سياسية، اوصلها الغرام والهيام، الى مواقع عامّةٍ متقدّمة، لم يكن ليستحقّها بالأساس… فلو خفق قلب الحسناء شانتال لغيره، لكان الغرام اعفانا واعفى اللبنانيين من تحمّل هكذا سفاهة، وهكذا تصنّع، وهكذا عمالةٍ، وهكذا احتكارٍ وجهلٍ واستبدادٍ …
لقد تخلّص المسيحيون نظرياً من الإقطاع اواسط القرن التاسع عشر، لا ليعودوا في القرن الواحد والعشرين الى تكريسه فعلياً من جديد…التوريث السياسي لدى المسيحيين نام منذ زمنٍ، لعن الله من ايقظه في زمن ربيع الشعوب…
"أعلام الديمقراطية المشرقية" في لبنان يعرضون "اولياء عهدهم" كما تُعرض الحلى والأواني المُذهّبة، فيما "المبتدئون" والحُفاة والعُراة، في سوريا، وليبيا وتونس ومصر يثورون بوجه "إقطاعيات" آل بن علي، وآل الأسد ومخلوف، وآل مبارك، وقبيلة القذّافي…
امّا بعد، إذا لم يكن من الإقطاع والتوريث السياسي بُدُّ، فالإقطاعيون التاريخيون "الشرعيون" اولى بالمعروف…ولكن قبلاً، دعونا نستبدل القرطاس والقلم، بالمعول والمنجل والمحراث، ولتكن أصالةً فعلية، وعودةً حقيقيةً الى الجذور، من جميع جوانبها دون استثناء…والمهّم بعد ذلك كلّه، ان يستريح العونيون، والا يُطبلوا آذاننا بشعاراتهم الجوفاء، وبخطّ إصلاحهم الشريف "العونانوني" الغابر…
عندما فرضت سلالة ابو نادر الخازن على "المشاركين" الموارنة في كسروان، العيش تحت كنف نظامها الإقطاعي، كان ذلك، في لغة العصور الماضية، نتيجة خدماتٍ جليلة قدمّتها تلك السلالة الإقطاعية الخازنية للطائفة المارونية على وجه الإجمال…
فما هي طبيعة "الخدمات" التي وفرّتها سلالة عون- باسيل للمسيحيين حتى تتحوّل بدورها الى إقطاعية سياسية ومادية شاذّة، تذّر بقرنيها في القرن الواحد والعشرين؟
هل من "خدمات" قدّمتها هذه السلالة الإقطاعية الشاذّة للمسيحيين، سوى "خدمات" "الإغتيال الرحيم"، والتستّر عن القتلة، وتسخيف الشهادة، والحروب الداخلية العبثية الفاشلة؟؟!!
يعتقد جبران باسيل ان لسانه السليط بسفاهته وحقده، كفيلٌ بطمس الحقيقة، او ربما ظهوراته الدعائية الإستعراضية المتكررة، لسببٍ او لغير سبب، بمبرر او من دون مبرر، ممكن ان تفرض على اللبنانيين محبته بالإكراه.
ليس غريباً على من ينفي حصول آلاف الجرائم والإغتيالات على يد النظام في سوريا، ان يحاول التعمية على جريمةٍ اُخرى حصلت في معراب، تُضاف الى سجّل اسياده الإجرامي الأسود.
يُحاضر صهر الجنرال بفلسفة "المؤسسات" فيما تياره العوني، اقرب ما يكون الى مزرعةٍ عائلية، منه الى مؤسسةٍ حزبية قائمةٍ بذاتها… يتشدّق بالنظام والتنظيم والصلاحيات الدستورية، فيما تياره العوني اقرب ما يكون الى مسخٍ برأسين- رأسه ورأس عمّه الجنرال- منه الى هيكلية حزبية تتعاطى الشأن العام…
نام جبران باسيل شاباً عازباً مغموراً، واستفاق رجلاً متزوجاً مشهوراً…استلقى جبران باسيل عند اعتاب سلّم الشأن الحزبي والعام، ونهض بسحر ساحر وقدرة قادر، ليجد نفسه على سطح المؤسسات الحزبية، والإدارات العامة… فجأةً هبطت الكفاءة، ونزل الوحي وحلّ الفكر السياسي على عقل الشاب جبران، فصار مُحتكر الأمجاد العونية، ومهندس الإنتصارات الإلهية، وبطل المصالحات التاريخية ووثائق التفاهم الجانبية…
لولا عون ما في جبران، ولولا جبران ما في تيّار!! مهزلةٌ نضعها برسم العونيين…
إذا كانت الحسناء شانتال اُغرمت بالشاب جبران، فما ذنب المسيحيين والعونيين، والسياسة، والشأن العام، والحياة الحزبية، حتى يُنزل بهم هذا القصاص؟!
إذا كان الجنرال، بسبب الأنانية والشوفينية، او بسبب سوء التخطيط والتقدير، او بسبب قصر النظر، بلغ حداً لم يعد يثق فيه بأحدٍ غير ذوي القربى، فما ذنب المسيحيين واللبنانيين، حتى يُصلبون سياسياً وإعلامياً وأخلاقياً، كل يومٍ، على يد نكرةٍ سياسية؟
وإذا كان الجنرال شغوفٌ بصهره الى هذه الدرجة، فمن حقّه ان يعرضه كتمثال شمعٍ في صحن دارته في الرابيه، وان يسجد له يومياً إذا أراد، فهذا شأنٌ خاص لا دخل لنا به. امّا أن يحشره في الشأن العام، كمومياء مُحنّطة، ويولّيه شؤون الناس، فارضاً إيّاه مرشحاً راسباً سلفاً، او وزيراً معجزة، بالتهديد والتعطيل والإبتزاز، فذلك ابعد ما يكون عمّا يُسمّى إصلاحاً وتغييراً وحداثة…
وأخيراً، هنيئاً للمسيحيين بجبران باسيل، وسامح الله من استشهدوا في سبيل مبدأ وقضية، لأن رحيلهم كان سبباً ايضاً في ظهور نكراتٍ من العدم، وفي تسلّط وصوليين، وأكلة جبنة و"كنافة" على أعناق المسيحيين.