منطق التنسيق والتفاهم ومنطق الدولة
بعد أكثر من أربعين عاما" على بروز مشكلة العلاقة بين الشرعية اللبنانية والوجود المسلّح الفلسطيني وبعد كل ما عاناه اللبنانيون نتيجة هذا الإزدواج الأمني والعسكري لا بل طغيان الغير شرعي على ما كل هو شرعي ، ورغم الحروب الأهلية التي نتجت عنه ، تعود الينا اليوم ومن جديد نغمة لجان الإرتباط والتنسيق وربما غدا" التفاهم بين الجيش اللبناني وحزب الله .
لقد اعترف الجميع منذ انتهاء الحرب اللبنانية بخطأ الرهان على حياد الجيش وضعفه والمراهنة على السلاح الغير الشرعي . واليوم يبدو أنّ البعض تخونهم الذاكرة والبعض الآخر يغلّب المصالح الإنتخابية الضيقة على مصلحة الوطن كل الوطن . فمنطق العودة الى ما يشبه اتفاق القاهرة غير مقبول نهائيا" ومرفوض من مختلف فئات الشعب اللبناني . فمجرد القبول بهذه الأفكار يعني التهيأة للحرب الأهلية من جديد . ولا ينفع القول هنا أنّ حزب الله هو حزب لبناني على خلاف ما كانته المقاومة الفلسطينية آنذاك ، فبوجود الدولة كل السلاح يتساوى عندما يكون خارج قرار الشرعية .
الكل اليوم يريد الدولة لأنّ الكل عرف معنى غياب الدولة . والدولة نريدها قوية فاعلة سيدة حرة مستقلة . وهي وحدها يجب أن تكون مركز القوة ومصدرها . لقد رأينا عندما استبيحت بيروت في شهر أيار الماضي ووقفت القوى الأمنية على الحياد ماذا حلّ في البلاد ، وهي لا تزال تجرجر نتائجه حتى اليوم . وهذا ما أدّى الى إيقاظ بعض الأصوليات النائمة على حساب الإعتدال الذي وحده يحمي لبنان ويقويه .
فمن غير الممكن التعايش بين دولة ودويلة على أرض واحدة وخاصة" عندما تريد الدويلة الإستقواء على الدولة وتطويعها .
واليوم وبعد خروج الإسرائيلي والسوري وانتخاب الرئيس ميشال سليمان بإجماع وطني وقيام حكومة وحدة وطنية ، فإنّ القبول بلجان ارتباط وتنسيق وغيره يعني فقط تكريسا" لأمر واقع والإعتراف لا بل القبول بوجود قوتين متساويتين في الحقوق والواجبات على الأراضي اللبنانية وبالتالي ضرورة التعايش بينهما . وهذا سيؤدي حتما" الى التصادم كما سيؤدي الى نشوء مجموعات مسلحة أخرى .
والقول إنّ المقاومة كانت في الماضي وهي موجودة في الحاضر وستبقى في المستقبل قول مستغرب أن يصدر عن شخص مسؤول . فالمقاومة ليست بحدّ ذاتها غاية نهائية في المجتمعات ، فهي تنشأ مع وجود محتل وتنتفي مع زوال الإحتلال . فماذا سيكون دور المقاومة في حال إعادة مزارع شبعا الى السيادة اللبنانية ؟ وماذا سيكون اذن مبرر بقائها ؟ وبالتالي طالما أنّ أكثرية الأراضي اللبنانية أصبحت محررة فلماذا لا نعهد بمسألة مزارع شبعا الى الدولة اللبنانية لتعمل على استعادتها بالطرق الدبلوماسية ؟ ولماذا التهرب من الحوار للوصول الى استراتيجية دفاعية يشارك فيها كل اللبنانيين تحت رعاية رئيس الجمهورية وتتبناها حكومة الوحدة الوطنية ويسهر على تنفيذها الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية المعنية ؟
إنّ المنطق الذي يجري تسويقه حاليا" معطوفا" على الحوادث الأمنية المتفرقة التي تستهدف المؤسسة العسكرية وأيضا" باقي المؤسسات الأمنية منذ مدة لا يطمئن ، وهو منطق خطير وخطير جدا" ويهدّد وحدة البلد ، لا بل يهدّد كيان لبنان وصولا" الى تغيير هويته . وهذا المنطق لا يضيره بروز بعض التيارات المتطرفة وحملها السلاح ، لأنّ هذا يغذي حجة بقائه . لذلك نقولها بصراحة أنّنا لن ننجرّ الى حمل السلاح وسنظلّ نراهن على قيام الدولة ومؤسساتها . وكل ما يجري اليوم قد يؤدي الى عرقلة قيام الدولة أو يؤخرإنطلاقتها إنّما بالتأكيد لن يستطيع منعها .