حين قرّر مجلس الوزراء معاقبة ذوي الدخل المحدود جداً بحرمانهم رغيفاً واحداً من كل رزمة خبز إرضاءً لأصحاب المخابز والأفران ومن إليهم، قفزت من ذاكرتي قصة توفيق يوسف عواد "الرغيف"، والصبي الأعرج، وقميص الصوف، والحرب…
ثم مرّت أمامي صورٌ وحكايات ومشاهد تلوي القلوب من حروب ما قبل الاستقلال، وما بعد اتفاق القاهرة، وصورة تلك المرأة، التي يقيم الرعب في وجها، وهي تحاول أن تتناول ربطة خبز من عامل فرن في رأس بيروت، فتناولتها رصاصة قناص وحرمت يديها الاثنتين وعائلتها الوصول الى تلك الربطة.
الرغيف، كانت تسميه والدتي "مُسند القلب": الأكل بلا خبز لا يُشبع الإنسان ولا يسند قلبه. لا بدّ من الخبز على كل مائدة.
خلال العشاء السرّي الأخير تناول يسوع رغيف الخبز وكسره ووزعه على تلامذته، خذوا كلوا هذا هو جسدي.
وإن قيل ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فلا يعني ذلك أن الإنسان يحيا بلا خبز…
خلال إقامتنا الاضطرارية في باريس مربط خيل اللبنانيين، أُتيح لنا نحن أبناء التقاليد والعادات المنتقلة من جيل الى جيل التعرّف على الكثير من طباع أبناء الديموقراطية المعتّقة، ومن أمزجتهم، ومن أساليبهم وطرقهم في إعلان احتجاجاتهم واعتراضاتهم على هذا أو ذاك من القرارات والإجراءات.
ذات صباح فوجئنا بعشرات الآلاف من الفرنسيين ينطلقون من ساحة شارل ديغول (النجمة سابقاً)، وعبر جادة الشانزيليزيه، في اتجاه ساحة الكونكورد حيث أقيمت مقصلة الثورة الفرنسية التي غيّرت التاريخ والشعوب والأنظمة، وحيث قيل إن الدماء التي أُهرقت هناك وصبّت شلالاتها في السين المشهور قد جعلت لون المياه بلون النبيذ الأحمر.
لافتات. وهتافات. وطبول. وزمامير. وسيارات شرطة تؤمن الطريق. ودراجات تحوّل السير الى جادات وشوارع متفرّعة.
ماذا حصل وصار، وما الدواعي والأسباب؟ جاءنا الجواب مصحوباً بنبرة غاضبة: غدرتنا الحكومة وقررت رفع سعر قطعة الكرواسّون خمسة سنتيمات. كان يومها الفرنك هو العملة الرسمية. وكان ثمن الدولار الأميركي خمسة فرنكات فرنسية.
فقامت قيامة الفرنسيين: خمسة سنتيمات؟ هذا يعني انهم يريدون حرماننا خبز الترويقة. فمن دون كرواسون كيف يتروّق الفرنسي؟
رغيف بكامله سحبتموه من ربطة كيلو الخبز وخفّضتم وزن الربطة الى 900 غرام؟ كيف طاوعكم قلبكم، كيف طاوعكم ضميركم؟ تستكثرون على ناس الخبز والرغيف الحاف رغيفاً يملأ معدة صبي جائع، عوض أن تضيفوا إلى الربطة رغيفين ثلاثة… وتتعهدوا أنتم دفع فارق الزيادة؟
في باريس لم تمر زيادة الخمسة سنتيمات، فهل تمرّر بيروت فضيحة "قضم" الرغيف؟