بدأها سعد الحريري في الشمال···
هل يكملها حزب الله في بيروت؟!
جريئة هي المبادرة اللافتة التي قام بها سعد الحريري بزيارة طرابلس الفيحاء، حاملاً معه دعوة المصالحة والتآخي بين أهالي التبانة وجبل محسن: أبناء الدين الواحد والحي الواحد والمدينة الواحدة·
وشُجاعة هي المواقف التي أطلقها زعيم تيار المستقبل، ومن قلب عاصمة الشمال بالذات، والتي أكد فيها: <إن أمن الإخوان العلويين هو من أمن طرابلس، هو أمن مسلمي طرابلس ومسيحييها، وأمن كل لبناني···> ومشدداً على <لبنانية> الإخوان العلويين: <أنتم لبنانيون ونحن لبنانيون، وعلينا ألا نسمح لأي يد غير لبنانية بأن تتلاعب بنا>·
وحكيمة هي الاتصالات التي أجراها زعيم الأكثرية مع قيادات المدينة بدءاً بالرئيسين عمر كرامي ونجيب ميقاتي، وصولاً إلى نواب الفيحاء وفاعليات مدنية واقتصادية واجتماعية، والتي كان محورها واحد: دعم جهود المصالحة الوطنية والإسراع في تحقيقها، والعمل على بلسمة جروح نار الفتنة التي كادت تفتك بالأحياء الفقيرة في طرابلس، ويصل لهيبها لاحقاً الى منطقة الحرمان ومنبت الأبطال عكار، التي بقيت عصية على الفتن والحروب الطائفية في كل الأزمات الماضية· * * *
لسنا هنا بوارد كيل المديح والتبجيل، بقدر ما نحن أمام قراءة سياسية هادئة وعقلانية للإدارة الواعية، وطنياً وسياسياً، لأزمة طرابلس التي يؤكد استمرارها وتفاقمها ليس بإشعال الشمال وحسب، بل بزعزعة الكيان اللبناني من أساسه، وإعادة فتح الأبواب من جديد أمام التدخلات الخارجية على أنواعها السياسية منها والعسكرية·
ولعلنا لا نذيع سراً إذا قلنا أن زيارة الحريري إلى الفيحاء، لم تكن من باب <رد الفعل> على كلام الرئيس السوري بشار الأسد عن <طرابلس والتطرف في الشمال> خلال القمة الرباعية في دمشق، لأن توقيت الخطوة الحريرية كان مبرمجاً قبل أسبوعين على الأقل من كلام الأسد، وفي سياق برنامج للإفطارات الرمضانية من جهة، وفي إطار دعم جهود فاعليات المدينة، وعلى رأسهم المفتي الناشط الشيخ مالك الشعار، لتحقيق المصالحة المنشودة بين منطقتي التبانة وجبل محسن·
ولكن يمكن وضع مبادرة الحريري تحت عنوان الرد الوطني والعملاني على تحذيرات الرئيس السوري من خطورة الوضع في طرابلس، ومحاولته إضفاء ألوان التطرف على الجماعات الإسلامية السلفية، وذلك من خلال العمل مباشرة <على الأرض> لإقفال الجرح الطرابلسي الذي تهدد مضاعفاته المحيط الشمالي، ومعه كل الجسم اللبناني، في حال تُركت الأمور على غاربها، وسادت الفوضى وممارسات التسيب، وبقي المجال مفتوحاً لأطراف خارجية باللعب بنار الفتنة المذهبية الكامنة تحت الرماد·
ويبدو أن القيادي الشاب لم يكتف بالرد السياسي على محاولات إلصاق تهم التطرف بأبناء الشمال، فقرّر أن يقوم بسلسلة خطوات عملانية لإعادة أجواء هذه المنطقة العزيزة على قلوب اللبنانيين إلى صفائها السابق، وإزالة الشوائب التي تركتها الأحداث الأخيرة بين التبانة وجبل محسن، ثم الانصراف إلى تحصين الوضع العكاري ضد رياح الفتنة والاقتتال بين أبناء القرية الواحدة·
وإذا تكلّلت جهود المخلصين من أبناء الفيحاء بتحقيق المصالحة الحقيقية التي تُعيد التواصل بين أبناء المنطقة الواحدة، وتستعيد الثقة المفقودة بين الجار وجاره، وتؤمن وصول مساعدات الدولة إلى أصحابها الحقيقيين من الفقراء المهجّرين والمتضررين من الأحداث المؤلمة الأخيرة··· يكون الشمال قد مشى الخطوات الأساسية في استعادة أمنه واستقراره، والتي لا بد من استكمالها لاحقاً في معالجة مماثلة للوضع العكاري، لقطع الطريق على محاولات استغلال بعض الخلافات الطارئة لنقل نار الفتنة إلى المنطقة التي تقدّم الشباب من أبنائها قرابين على مذبح الوطن ووحدته وسيادته·
* * * والواقع أن سعد الحريري الذي يُؤكد نهج والده الشهيد الكبير في العمل من أجل كل ما يُوحّد اللبنانيين ويعزّز الجبهة الداخلية، يُدرك اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أن المصالحة الطرابلسية لا تصمد وأن الاستقرار الفعلي لا يُخيّم على ربوع الشمال، إذا لم تتوقف التدخلات الخارجية في استغلال الوضع الهش في لبنان، خاصة بعدما كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن احتمال حصول تدخل عسكري سوري في الشمال <لحماية العلويين من تطرف الإرهابيين> في ظل عجز الجيش اللبناني عن فرض الأمن والنظام في الشمال اللبناني·
رُب قائل إن لبنان ليس جورجيا، وإن سوريا ليست روسيا، وإن الوضع في الشرق الأوسط يختلف كثيراً عن الواقع الحالي في منطقة القوقاز·
هذا صحيح، ولكن الصحيح أيضاً أن استمرار الخلل الحالي في بُنيان الوحدة الداخلية، من شأنه أن يقلب الأوضاع رأساً على عقب، ويفتح المجال واسعاً أمام شتى الضغوطات والتدخلات الإقليمية، خاصة في ظل الصراع المحتدم في الداخل الإسرائيلي على وراثة أولمرت في رئاسة الحكومة، وارتفاع لهجة ايهود باراك التهديدية ضد حزب الله، والكلام عن احتمال قيامه بمغامرة عسكرية جديدة في لبنان·
إن مواجهة أخطار الخارج لا تنجح إلا باستعادة وحدة الداخل· وإذا كانت مبادرة سعد الحريري في دعم وتسريع المصالحة في طرابلس والشمال قد نجحت في إزالة عوائق التردد والتأخير ومهّدت الطريق لمصالحة حقيقية وفعلية في الفيحاء وعكار، فإن على الأطراف الأخرى في الوطن، وخاصة حزب الله، أن تبادر أيضاً إلى العمل بجدية، وبأسرع ما يمكن، إلى رفع جهود المصالحة في بيروت والبقاع، إلى الأمام، وإعطائها الأولوية المطلقة على كل ما عداها من القضايا الأخرى، حتى يستطيع الوطن الصغير الوقوف في وجه الرياح الإقليمية، وإحباط المخططات الإسرائيلية، فضلاً عن الحفاظ على مقومات وحدته الوطنية·
إن تحقيق المصالحة الوطنية فضلاً عن الحقيقية ليست مهمة سعد الحريري وحده، بل هي مسؤولية كل الشركاء في الوطن، ومرّة أخرى خاصة حزب الله، الذي لا بد أن يقوم بمبادرات عملية في هذا الاتجاه، بعيداً عن كل السجال الدائر عن الاستراتيجية الدفاعية وملابسات حادثة المروحية العسكرية، وطبيعة العلاقات الجديدة مع سوريا·
وحدها المصالحة الوطنية الحقيقية هي التي تطلق عملية إعادة بناء <الدولة القوية والقادرة>، وتعزّز قدرات الجيش الوطني وتحمي المقاومة، وتفتح أبواب الحوار الهادئ والمسؤول، وتمهّد لإجراء انتخابات بالحد الأدنى من الممارسة الديمقراطية في ظل قانون القضاء المتخلف، وبعيداً عن احتكاكات الشارع، وطغيان السلاح على الخطاب السياسي المتوازن·
بدأها سعد الحريري في الشمال···
هل يُكملها حزب الله في بيروت··؟!·