.jpg)
في السياسة كما في القضاء، ثمة قاعدة بسيطة: من يثق ببراءته لا يخشى التحقيق، وبالتأكيد لا يرهب القضاة. بدأت الحكاية مع آلاف الأطنان من نيترات الأمونيوم التي انفجرت في مرفأ بيروت، فدمرت عاصمتنا بيروت وقتلت المئات. ومنذ ذلك اليوم، لم يكن السؤال الوحيد: كيف دخلت هذه المواد ومن المسؤول عن إدخالها؟ بل أصبح: لماذا تعثر التحقيق كلما اقترب من الحقيقة؟
في مطلع تموز، أعلنت قوات اليونيفيل العثور على نحو 400 كيلوغرام من نيترات الأمونيوم قرب بلدة حولا. مرة جديدة، يعود اسم المادة نفسها إلى الواجهة. ليست إدانة لأحد، لكنها تذكير بأن هذه المادة لم تختفِ من المشهد اللبناني، وأن وجودها خارج الأطر الطبيعية يفرض أسئلة لا يجوز إسكاتها وتبرير واضح ومقنع للشعب اللبناني.
ثم تأتي الوقائع الأخرى. فتهديد المسؤول الأمني في “الحزب” وفيق صفا للقاضي طارق البيطار لم يكن مجرد خلاف سياسي عابر، بل أثار أسئلة جدية حول حدود الضغط السياسي على القضاء من جهة وسبب ارتباك “الحزب” إلى حدّ التهوّر وتهديد القضاء من جهة أخرى. فالقاضي الذي يتعرض للتهديد لا يُستهدف لشخصه فقط، بل لما قد يصل إليه التحقيق من نتائج. وفي كلّ تحقيق، لا يكون الخصم هو القاضي، بل الحقيقة نفسها.
ولم تكن أحداث الطيونة بعيدة عن هذا السياق. فقد وقعت خلال تحرك دعا إليه “الحزب” وحركة أمل اعتراضاً على أداء المحقق العدلي، اعتراض من دون أساس قانوني أو حتى منطقي انتهى بمواجهات دامية زادت من تعقيد المشهد وألقت بظلالها على مسار التحقيق.
اختلفت الأحداث، لكن الثابت أن التحقيق عاش سلسلة من الضغوط السياسية والأمنية والقضائية، حتى أصبح ألم العدالة المؤجلة جرحاً آخر يُضاف إلى جرح الانفجار.
قد تكون كل واقعة منفصلة عن الأخرى، وقد تكون سلسلة وقائع لحقيقة واحدة. لكن اجتماعها في المشهد اللبناني يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: لماذا كل هذا التوتر في أروقة “الحزب” كلما اقترب التحقيق من استكمال عمله؟ ولماذا تتحول المطالبة بالحقيقة إلى معركة سياسية بدل أن تكون حقاً طبيعياً لعائلات الضحايا وللبنانيين جميعاً؟
في النهاية، ليست المقالات من تُصدر الأحكام. يبقى الحكم القضائي وحده عنوان الحقيقة، والكلمة الفصل يجب أن تبقى للقضاء المستقل القادر على إثبات ما تقوله الأدلة لا ما يحاول فرضه بعض “البلطجية”.
مع العهد الجديد، يبقى الأمل معقوداً على ضمائر الجسم القضائي وعلى إرادة حقيقية في حماية العدالة، لعل اللبنانيين يروْن، ولو لمرة واحدة، محاسبة فعلية وفق القانون اللبناني، تُنصف الضحايا، وتعيد للدولة هيبتها، وتثبت أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت أبداً.
