#adsense

سعد الحريري “يختبر” مصالحة ممكنة

حجم الخط

زيارته إلى طرابلس لإنهاء "مفاعيل" 7 أيار وتأكيد ولاء المدينة للدولة.. ومن موقع الأكثرية الإسلامية والسياسية
سعد الحريري "يختبر" مصالحة ممكنة

الزيارة التي يقوم بها رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري الى طرابلس، كانت مقررة قبل القمة الرباعية في دمشق حيث نطق رئيس النظام السوري بشار الأسد بما نطق به حول ما سماه "التطرف" في عاصمة الشمال، "موحياً" بـ"المونة" على رئيس الجمهورية ميشال سليمان، إذ ادّعى انه حدد له ما عليه القيام به من أجل أمن الفيحاء. كانت زيارة الحريري مقررة قبل "حديث الأسد" الذي جعل حصولها بعده تحدياً في حد ذاته.

الزيارة: دينامية اليوم الطرابلسي

فمنذ خطابه في أول إفطار رمضاني لهذا العام، أعطى سعد الحريري إشارة إنطلاق تحركه شمالاً، بتشديد نبرته حول المصالحة في طرابلس، فأكد تصميمه على إتمامها أي اعتباره أنها تمثل أولوية مطلقة بالنسبة إليه.
ثم كان "إنعقاد" اليوم الطرابلسي الطويل في السرايا برعاية رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، والمقرر هو الآخر قبل "حديث الأسد" بوقت طويل. وكان واضحاً أن "اليوم الطرابلسي"، إذ شكل يوماً تأسيسياً للمصالحة في رحاب الدولة، إنما يحتاج الى "دينامية" سياسية تجعل المصالحة ممكنة التحقق من أجل أن "تعود" الى الدولة بعد ذلك. وبهذا المعنى، فإن زيارة الحريري هي "الدينامية" التي تحتاج إليها العودة إلى الدولة. وكم كان الحريري ومعه المجتمع السياسي الطرابلسي معبّرَين في وعيهما انّ ما يتم الإتفاق عليه في "وثيقة المصالحة" بين "أطراف النزاع" في المدينة ـ والتسمية للنائب سمير الجسر ـ ليس "ورقة تفاهم" كغيرها من الأوراق على هامش الدولة بل ضدها حتى، لكن مآله الدولة ومؤسساتها.

طرابلس في ظل الجيش

كذلك، يأتي توقيت زيارة زعيم "تيار المستقبل" إلى طرابلس، بعد استتباب الأمن الشرعي في المدينة حيث لم تسجل في الأيام القليلة الماضية أحداث وفتن في ظل انتشار فعال للجيش والقوى الأمنية. وللتذكير، فإن تعزيز دور الجيش في عاصمة الشمال، قرار اتخذ بالتشاور بين أركان الدولة من جهة واستجابة لمطالبات سياسية وشعبية في المدينة من جهة ثانية، بالتزامن مع الجريمة الإرهابية التي استهدفت الجيش في يوم زيارة الرئيس سليمان إلى دمشق، أي ان هذا الأمر قرار لبناني سيادي، وفي أحسن الاحوال أُبلغ الأسد به ولم يكن له رأي فيه.

مصالحة "لبنانية" عامة في طرابلس

إذاً، في ما يتصل بتوقيت زيارة سعد الحريري، لا لبس في أنها تحصل على تقاطع إرادة لبنانية "متعددة" بقطع دابر الفتنة من احدى البوابات الرئيسية.
أما في "مضامين" هذه الزيارة، فإن ثمة عناوين عدة تستحق أن يتم إبرازها.
العنوان الأول هو أن زعيم "المستقبل" الذي يقود المصالحة السياسية في طرابلس "نحو" الدولة، إنما يبرهن ليس فقط أنه وتياره يمثلان الأكثرية السياسية في المدينة أو الأكثرية الإسلامية السنية سياسياً، بل يؤكد أن ليس ثمة أنقسام في الطائفة السنية بين اعتدال وتطرف، وأن أهل المدينة من المسلمين السنة أهل سلم وتعايش.

ولأنه "مطمئن" الى هذه "الحقيقة" وفي إمتداد الإرث الوطني، "اللبناني"، للرئيس الشهيد رفيق الحريري، فإن الخطاب السياسي و"الثقافي" لسعد الحريري ـ خلال الزيارة وقبلها ـ يتحدث عن مصالحة سنية ـ علوية من ناحية، وعن "لبنانية" الطائفتين من ناحية ثانية، وعن "مصالحة طرابلس مع نفسها" أي مصالحة سنية ـ علوية ـ مسيحية في طرابلس "التعددية" من ناحية ثالثة.

إسقاط 7 أيار

أما العنوان الثاني الذي تجدر الإشارة اليه بـ"قوة" فهو أن الزيارة كونها الأولى لسعد الحريري بعد 7 أيار، إنما تشكل مبادرة 14 آذارية لطي صفحة 7 أيار أي لإعلان سقوط أبرز مفاعيلها في الشمال اللبناني. فكيف عندما تنجز "المصالحة الطرابلسية" بعد الانتهاء من الاتفاق على إجراءاتها "في كنف الدولة"؟.

والعنوان الثالث "متشعب".
فإتمام "المصالحة الطرابلسية" يدعم الاستقرار الأمني ويوقف النزف، ومن شأنه أن يريح الجيش وسائر القوى الأمنية.
وإتمامها يعني سدّ باب يأتي منه الريح، أي يسد باباً رئيسياً من أبواب السياسة السورية الهادفة إلى "استدراج عروض" للتدخل في لبنان، كما قال البيان الصادر عن إجتماع قادة 14 آذار الأسبوع الماضي.

الأسد: "إنتفاضة شرف" ولا عودة إلى لبنان

وهنا بالتحديد، لا بد من وضع ما نطق الأسد به قبل أيام في "نصابه".
لا شك أن كلام الأسد تدخّل فظ في الشأن اللبناني، أيضاً كما جاء في بيان 14 آذار. وهو تدخل مرفوض، وقد واجهته عاصفة سيادية لبنانية بالفعل.
غير أن ثمة وجهاً آخر لا بد من أخذه في الاعتبار. فبشار الأسد "نطق" بما نطق به، بعد أن أطلق الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تحذيره لإيران من سوريا الدولة الحليفة لها، وبعد أن "كلفه" ساركوزي بإفهام إيران "على طريقته" بأنها لن تمكَّن دولياً من المضي في ملفها النووي… وبعد أن عجز الأسد عن الدفاع عن الحليف الإيراني. وكذلك نطق الأسد بما نطق به بعد أن أبلغه الرئيس الفرنسي أن المحكمة الدولية في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري منطلقة نحو هدفها: الحقيقة. كما نطق بما نطق به بعد أن أعلن استعداده للإنتقال إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. وبهذا المعنى، فإن ما قاله عن طرابلس ولبنان، أقرب ما يكون إلى "انتفاضة شرف" الهدف منها القول "أنا لاأزال موجوداً".

ليست الغاية مما تقدم نفي أطماع نظام الأسد في لبنان أو رغبته في العودة إليه أو ممارسة النفوذ. لكن القصد هو إبراز أن "مشروعه" هذا مستحيل. وأول معطى لهذه الاستحالة هو أن وقائع القمة الرباعية في دمشق والمؤتمر الصحافي الذي أعقبها تفيد أن بشار الأسد في موقع "التقديم" وليس في موقع "الأخذ"، وأن لا مقابل في لبنان لما هو مطلوب منه تقديمه. والمعطى الثاني لتلك الاستحالة هو أن المشتركين في القمة ممن يمثلون المجتمع الدولي أو المجتمع العربي أو الوضع الاقليمي، مكلفون بـ"تبليغه" المطلوب منه وليس "إعطاؤه"، وفي جميع الأحوال لا يملكون وعده بـ"تفويض" ما في لبنان.

أما المعطى الثالث للإستحالة، فهو أن القمة الرباعية تلت تعبير دولتين ركنيتين في "النظام العربي" عن تضامنهما مع طرابلس ورفضهما التدخلات الخارجية المشبوهة. هكذا فعلت المملكة العربية السعودية بواسطة سفيرها عبد العزيز خوجة. وهكذا فعلت مصر بإيفادها وزير الخارجية أحمد أبو الغيظ. وهكذا، حذر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الأسد من التدخل في شمال لبنان، على ما تؤكد معلومات متقاطعة.

الزيارة المحرجة

من هنا إذاً، فإن زيارة الحريري إلى طرابلس لتحقيق المصالحة فيها، فضلاً عن هذا الهدف النبيل ـ المصالحة ـ وفضلاً عن شجاعة الرجل، هي مبادرة هادفة إلى إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل 7 أيار والى إثبات "حقيقة طرابلس"… والى إزالة كل الذرائع وإنهاء "استراتيجيّتَي" التدخل والمربعات الأمنية. وبهذا المعنى، إن المصالحة في طرابلس ممكنة… وهي هدف "محرج" لمن "يلعب" بأمن هذه المدينة.
وليس مطلوباً سوى "المتابعة". وسعد الحريري "يحاول" عساه يكسح الألغام.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل