حديث نصرالله واغتيال الاستراتيجية الدفاعية
أضحى التنائي بديلاً من تدانينا
وناب عن طيب لُقيانا تجافينا
(ابن زيدون)
في تعريف الدولة فهي مؤسسة سياسية تحتكر السيادة على بقعة جغرافية محددة، فيها مجموعة من السكان. وتتضمن الدولة عادة مجموعة من المؤسسات التي تمتلك احتكار السلطة للحكم واستعمال القوة والعنف بالنيابة عن الناس.
ويتطلب وجود هذه الدولة، بشكل جزئي، اعتراف عدد من الدول الأخرى بسيادة هذه الدولة وحدودها الجغرافية، وخصوصاً الدول المجاورة لها.
وعلى لسان ماكس وبر، العالم الاجتماعي المعروف، فالدولة هي المنظومة التي تحتكر الحق الشرعي باستعمال العنف ضمن مساحة جغرافية محددة، قد تتضمن في منظومتها قوات مسلحة، خدمات مدنية، بيروقراطية، محاكم وقوات أمن.
قد يكون ضجيج قمة دمشق وحديث الأسد المخزي حول لبنان طَغَيَا على الحديث الرمضاني الذي أدلى به الأمين العام لـ"حزب الله" حول جريمة اغتيال النقيب سامر حنا على يد أحد مقاومي حزبه، واصفاً إياه بالحادث العاديّ وشبهه بالوضع في العراق حيث تقوم جموع الإرهابيين باغتيال قوى الأمن والجيش العراقي تحت غطاء مقاومة الاحتلال.
وتحت غِطاء المقاومة يستمر حزب الولي الفقيه في لبنان بقضم يومي للدولة اللبنانية ومؤسساتها وصولاً الى الانهيار الكامل لهذه الدولة لتقوم مكانها الدولة الإسلامية في لبنان تحت لواء الحاكم المطلق والمعصوم المقيم في إيران.
لست أدري الى ما يرمي سيادة الأمين العام في تشبيهه الوضع في لبنان بالعراق، فإن كان يتحدث عن الاحتلال هناك فهل هذا يبرر سقوط آلاف الضحايا الأبرياء في التفجيرات العمياء التي نادراً ما طالت قوات الاحتلال! أم أنه يبشرنا بمستقبل مماثل لم يحدث في العراق؟
وإن كانت "المقاومة" العراقية لا تعترف بالدولة في العراق لأنها حكومة تحت الاحتلال مبرراً بذلك عداوته تجاهها، فهل هذا يعني أن سماحة الأمين العام قد أعلن أخيراً عداوته للدولة اللبنانية؟
ولكن الحقيقة الواضحة هي صحة قوله في ان الحدث عاديّ، فالحدث هو محصلة طبيعية لوجود سلطتين مسلحتين على أرض واحدة، وهكذا يكون الحدث العاديّ تصادم السلطتين المسلحتين.
وقد يطيب لفلاسفة هذا الحزب تشبيه وضع لبنان بفرنسا أثناء الاحتلال النازي عندما كانت حكومة فيشي متعاونة مع الاحتلال، فهل يعتبر سماحته الحكومة التي يشارك فيها حزبه حكومة تحت الاحتلال؟
ولكن الجانب الأخطر كان في تصريح الأمين العام "الجندي في جيش الولي الفقيه" بأنه لا يسلم أحداً الى الدولة حتى لو كان مطلوباً؟
فتصوروا أن المقاوم البطل كان قد قرر عدم تسليم نفسه للقضاء، وتصوروا أيضاً أن استكمال التحقيق في حيثيات "الحادث" تحتاج الى تسليم أعداد أخرى من المقاومين للتحقيق معهم، وتصوروا أيضاً أن الحزب المقاوم قرر عدم تسليمهم لضرورات السرية وأعلنت نتائج تحقيق داخلي يضع الحدث في موقع "الحادث المؤسف" كما بدأ الحليف الملحق العماد ميشال عون في الترويج له في طلاته الأسبوعية، فأين يصبح حينها دور القضاء؟ وهل يكون الفصل بيد قضاء "حزب الله" أو بتكليف شرعي من الولي الفقيه؟
ولكن، وحتى لا نتمادى في "استغلال" القضية كما يقولون، فقد تكون المسألة نتيجة التباس كما صرح "حزب الله"، أو تكون عملاً مقصوداً لتمرير رسالة ما من دولة "حزب الله" الى الدولة اللبنانية، ولكن ما حدث يؤكد أنه مهما بالغ الطرفان في اعتماد التقية في زواجهما القسري، فإن منطق الأمور يؤكد أن الصدام حتمي حتى لو تجاهلنا ارتباط هذا الحزب بالأحلاف الإقليمية، وتخطينا كون أعضائه جنوداً في جيش "الولي الفقيه" مما يجعل وجوده في لبنان كوجود فيلق للحرس الثوري الإيراني.
هذا ليس بالطبع محاولة للنيل من "حزب الله" فما قلته هو محط مفخرة لأعضائه، ولكنه مجرد توصيف لوضع قد يجعل من الدخول في الحوار الوطني لبحث قضية سلاح الميليشيات وتنظيم الاستراتيجية الدفاعية مثل حوار الطرشان لأنه محكوم بأفكار مسبقة وقناعات عقائدية من جهة "حزب الله"، وإصرار على وضع كل السلاح تحت سلطة الدولة من قوى 14 آذار وشتان ما بين الطرحين.
ولكن، ومع كل ذلك، فعلينا الإصرار على هذا الحوار والذَهاب إليه بطروح محددة وعقل منفتح حتى تصل التقية الى "باب الدار".