8 آذار تطالب بتعزيز صلاحيات الرئيس
كي يكون حاكماً مستبداً وحكماً غير عادل
غريب أمر قوى "8 آذار" والمتحالفين معها، فهي من جهة تطالب بتعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية ليحكم في الخلافات ويخرج البلاد من الأزمات عندما يستعصي على سواه حلها، ومن جهة اخرى تطالبه باستخدام ما تبقى له منها لمصلحتها وانتقاماً من خصومها السياسيين وتنسى ان رئيس الجمهورية هو حكم وحاكم في آن واحد، حكم عندما يرى ان حكمه عادل ومتوازن بين الجميع ولمصلحة لبنان وانه يحكم بالعدل والمساواة من دون تمييز الا من ميز نفسه عن غيره بتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
هذا هو دور رئيس الجمهورية كونه رئيس كل السلطات ورمز وحدة الوطن يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة اراضيه وان انتخبه فريق سياسي واحد، فكيف عندما يكون رئيس الجمهورية قد انتخب من الافرقاء على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم مثل الرئيس سليمان الذي اثبت ممارسة ما تبقى من صلاحياته انه حاكم وحكم فعلا لا قولا. فعندما انقسم مجلس الوزراء وكذلك النواب والسياسيون حول موضوع شهود الزور، تجنب طرح هذا الموضوع على مجلس الوزراء حتى لا تأتي النتيجة لمصلحة طرف ضد طرف آخر. هكذا فعل في مواضيع اخرى لئلا يزيد الانقسام حدة ويصبح هو طرفا في الخلافات في حين انه يتميز كونه رئيسا توافقياً ووفاقياً، وقد كرر في اكثر من حديث له ان التصويت في مجلس الوزراء بالنسبة إليه هو "ابغض الحلال" لذلك فهو ليس مع رأي كل طرف يريد منه ان يستخدم صلاحياته نكاية او استفزازاً لطرف وهو ما فعله اخيراً عندما رفض توقيع مرسوم الـ8900 مليار ليرة لا لاسباب سياسية اما لاسباب قانونية شرحها باسهاب في مجلس الوزراء داعيا السلطة الاشتراعية الى تصحيحها وتحمل مسؤولية اقرارها.
اما الذين يطالبون الرئيس سليمان بتطبيق ما يدخل ضمن صلاحياته الدستورية فهل كانوا يطالبونه بذلك لو ان تطبيقها ليس في مصلحتهم، ام انهم يريدون ان يطبق هذه الصلاحيات عندما تكون لمصلحتهم فقط؟ فلو ان الرئيس سليمان كان لا يزال يملك صلاحيات حل مجلس النواب واقالة الحكومة، ولم يكن الطرف الذي يطالبه الآن بتطبيقها مع حل المجلس او مع اقالة الحكومة هل كانوا يطالبونه بذلك؟
الواقع ان الصلاحيات التي منحت لرئيس الجمهورية انما منحت له لكي يستخدمها عندما يرى في ذلك مصلحة للبلاد في استخدامها وليس انحيازا لطرف ضد طرف، ولا ليزيد الانقسام الداخلي حدة والا لما كان حكما عادلا في الخلافات بل يكون حاكما مستبداً.
ان كل رئيس للجمهورية يعي مسؤولياته لا يستخدم صلاحياته الا لخدمة لبنان. وهو ما سار عليه رؤساء جمهورية سابقون يتميزون بالحكمة والتعقل. فالرئيس شارل حلو امتنع عن التصويت في مجلس الوزراء وكان يملك هذا الحق، عندما طرح موضوع دخول مسلحين فلسطينيين الى منطقة العرقوب، فانقسم الوزراء مناصفة بين مؤيد لاخراجهم بأي وسيلة ومعارض لذلك. وقد فضل الرئيس حلو ان تستقيل الحكومة وقد فعلتها نتيجة هذا الانقسام مجنبة البلاد انقساماً داخلياً قد يشعل حربا اهلية. والرئيس سليمان بموقفه من سلفة الـ8900 مليار ليرة وان كانت دون الموضوع السابق اهمية فقد حرص على ان لا يخرج عن حياده بين 8 و14 آذار، لانه انتخب رئيسا من خارجهما وهو يعرف متى يستخدم صلاحياته ومتى يمتنع عن استخدامها خدمة للمصلحة العامة. اما الغيارى على صلاحياته فليظهروا هذه الغيرة عند البحث في التعيينات وليتذكروا ان وظائف مهمة في الدولة كان له رأي فيها خصوصا تلك التي تنظم التعاون معه على احسن وجه وتسهل مهمته في تطبيق الدستور والسهر على احترامه وحماية الوطن.
الى ذلك، فان على مجلس النواب ان يقوم بواجبه ويتحمل مسؤولية اقرار المشاريع، لا ان يدفع بها الى رئاسة الجمهورية كلما تعذر الاتفاق عليها. وعلى الحكومة ايضا ان تقوم بواجبها وتتحمل مسؤولية اقرار المشاريع التي تطرح عليها، لا ان يتعذر التوافق ليصبح التصويت المخرج المحرج لها ولرئيس الجمهورية، خصوصا عندما تكون نتائج التصويت فيها غالب ومغلوب فتنعكس سلبا على الوحدة الوطنية والعيش المشترك. فلتكن اذاً غيرة الغيارى على مصلحة لبنان اولا وليس على الصلاحيات التي يطالبون بتطبيقها عندما تكون لمصلحتهم.