
تحل اليوم الذكرى الثانية عشرة لرحيل النجم الأميركي روبن ويليامز، الذي غاب في 11 آب 2014 عن عمر ناهز 63 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً فنياً استثنائياً امتد بين الكوميديا والدراما والمسرح والتلفزيون. وبعد مرور أكثر من عقد على غيابه، لا تزال شخصياته حاضرة في ذاكرة الجمهور، فيما تستمر أعماله في الوصول إلى أجيال جديدة اكتشفت موهبته الاستثنائية وقدرته الفريدة على الجمع بين الضحك والمشاعر الإنسانية العميقة.
وُلد ويليامز في مدينة شيكاغو في 21 تموز/يوليو 1951، وظهرت موهبته في تقليد الآخرين وصناعة الشخصيات منذ سنوات طفولته. انتقل لاحقاً إلى نيويورك، حيث التحق بمدرسة جوليارد لدراسة المسرح، وهناك تعرّف إلى الممثل كريستوفر ريف، الذي أصبح من أقرب أصدقائه. لكنه قرر عام 1976 ترك الدراسة والاتجاه إلى عالم الكوميديا الارتجالية، لينطلق من المسارح الصغيرة قبل أن تفتح له شاشة التلفزيون أبواب الشهرة.
وجاءت نقطة التحول الكبرى في مسيرته عام 1978، عندما ظهر بشخصية الكائن الفضائي “مورك” في مسلسل “Happy Days”. وسرعان ما تحولت الشخصية، بفضل أدائه المليء بالطاقة والارتجال، إلى ظاهرة جماهيرية، ما أدى إلى إطلاق مسلسل “Mork & Mindy”، الذي شاركته بطولته بام داوبر واستمر بين عامي 1978 و1982.
لكن طموح ويليامز لم يتوقف عند الكوميديا، إذ أثبت خلال مسيرته أنه ممثل قادر على الانتقال بسهولة بين الأدوار الساخرة والشخصيات الدرامية العميقة. ففي عام 1987، قدم شخصية المذيع العسكري أدريان كروناور في فيلم “Good Morning, Vietnam”، وحصل عن أدائه على ترشيح لجائزة الأوسكار، إضافة إلى فوزه بجائزة غولدن غلوب.
وبعد ذلك بعامين، جاء أحد أشهر أدواره في فيلم “Dead Poets Society”، حيث جسّد شخصية الأستاذ جون كيتنغ، المدرّس الذي يحفّز طلابه على التفكير بحرية والنظر إلى الحياة من زاوية مختلفة. وأصبح الدور من أكثر الشخصيات ارتباطاً باسمه، ورسّخ مكانته كممثل يستطيع الوصول إلى الجمهور بعيداً من الكوميديا وحدها.
وفي عام 1991، شارك في فيلم “Hook” للمخرج ستيفن سبيلبرغ، مجسداً شخصية بيتر بان الذي كبر وابتعد عن عالم الطفولة قبل أن يجد نفسه مضطراً للعودة إليه. وبعد عامين، قدم واحداً من أكثر أدواره شهرة في “Mrs. Doubtfire”، إذ ظهر في هيئة مربية بريطانية مسنّة، جامعاً بين الكوميديا وموضوعات إنسانية تتعلق بالعائلة والانفصال والأبوة.
وفي عام 1995، تألق في فيلم “Jumanji”، الذي أصبح لاحقاً من الأعمال المحفورة في ذاكرة أجيال كاملة، من خلال شخصية آلان باريش، الرجل الذي يجد نفسه عالقاً داخل لعبة غامضة لسنوات طويلة قبل أن يعود إلى العالم الحقيقي.
أما المحطة الأكثر اختلافاً في مسيرته فجاءت عام 1997 مع فيلم “Good Will Hunting”، حيث لعب دور الطبيب النفسي شون ماغواير، الذي يساعد شاباً موهوباً على مواجهة جراحه الداخلية. وابتعد ويليامز في هذا الدور عن شخصياته الصاخبة، ليقدم أداءً هادئاً وحساساً ومليئاً بالمشاعر، فحصل عنه عام 1998 على جائزة أوسكار أفضل ممثل مساعد.
ولم تقتصر مسيرة ويليامز على السينما والتلفزيون، إذ عاد أكثر من مرة إلى الكوميديا الارتجالية، كما واصل العمل المسرحي، وظهر عام 2011 في برودواي ضمن مسرحية “Bengal Tiger at the Baghdad Zoo”.
وخارج عالم الشهرة، كان ويليامز أباً لثلاثة أبناء، زاكاري وزيلدا وكودي، وكان معروفاً بعلاقاته القريبة من أصدقائه وزملائه. لكن حياته الشخصية حملت أيضاً تحديات وصراعات لم تكن ظاهرة دائماً خلف الصورة المرحة التي عرفه بها الجمهور.
وفي 11 آب 2014، جاء خبر وفاته ليصدم الملايين حول العالم. وعلى الرغم من مرور 12 عاماً على رحيله، لم تختفِ بصمته الفنية؛ فما زالت أفلامه تعرض، وشخصياته تعود إلى الشاشة، وما زالت أدواره في “Dead Poets Society” و”Good Will Hunting” و”Mrs. Doubtfire” و”Jumanji” تجد طريقها إلى جمهور جديد.
رحل روبن ويليامز، لكن الإرث الذي تركه لم يكن مجرد مجموعة من الأفلام والجوائز، بل تجربة فنية وإنسانية أثبتت أن الفنان قادر على جعل الجمهور يضحك في لحظة، ثم يدفعه في اللحظة التالية إلى التفكير والتأثر. ولهذا، بقي اسمه مرتبطاً بواحدة من أكثر المواهب تميزاً في تاريخ السينما والكوميديا الأميركية.