#adsense

بين لبنان الكبير وأيلول العظيم: أيام تفصلنا عن الجحيم؟

حجم الخط

صحيفة نداء الوطن – ألان سركيس 

 

تحلّ ذكرى إعلان لبنان الكبير غدا. ذكرى كيان وُلد على قاعدة الأرض والحدود والدولة. لكن المفارقة أن لبنان يدخل هذه الذكرى اليوم وهو يخشى على العناصر نفسها التي قام عليها. الخوف لم يعد سياسيًّا فقط. هناك خوف على الأرض وعلى الدولة، وخوف على القرار الوطني.

 

في الجنوب تحديدًا، لم يعد السؤال متى تنتهي الحرب فقط، بل ماذا سيبقى بعدها. هل تعود كل الأراضي اللبنانية إلى سلطة الدولة؟ هل تنتهي الوقائع العسكرية عند حدود وقف النار؟ أم تتحول نتائج الميدان إلى ترتيبات جديدة تفرض نفسها على لبنان؟

 

الخوف على الأرض هو أول الخطر. أي خسارة لمساحة من أرض الجنوب، وأي تثبيت لواقع أمني جديد، يعني أن لبنان أمام سابقة خطيرة. فالحدود لا تُحفظ بالبيانات، والسيادة وحصر السلاح لا تُستعاد بالتصريحات. ما يثبت على الأرض قد يصبح لاحقًا جزءًا من أي تسوية، ولذلك فإن معركة الجنوب ليست فقط عسكرية، بل على شكل لبنان المقبل. ومن هنا تأتي حساسية المرحلة، لأن أي تفاوض يجري تحت ضغط الميدان وتمسّك إيران بلبنان يجعل الأخير يدفع ثمنًا أكبر مما يتوقع.

 

أما الخوف الثاني فهو على نظام الحكم. الدولة أمام اختبار قاسٍ. المؤسسات موجودة، لكن قدرتها على فرض القرار الوطني لا تزال موضع شك. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت الفجوة بين الدولة وبين القوى التي تملك نفوذًا وقدرة على التأثير في الميدان. المشكلة ليست فقط في الحكومة أو في مجلس الوزراء. المشكلة في من يقرر في لبنان ومن يملك قرار الحرب والسلم، فإذا بقي القرار موزعًا بين المؤسسات الرسمية وقوى الأمر الواقع، فإن الحديث عن دولة كاملة السيادة سيبقى ناقصًا.

 

ثم يأتي الخوف الثالث، وهو التدخلات الخارجية. إيران في صلب هذا المشهد، و»الحزب» هو الأداة الأساسية لنفوذها على الساحة اللبنانية. ومع استمرار المواجهة الإقليمية، يصبح لبنان أكثر عرضة لأن يتحول إلى ساحة رسائل وضغوط. طهران وواشنطن لديها و إسرائيل لديهم حساباتهم. أما لبنان، فعليه أن يتحمل النتائج. وهذه هي المعادلة الأخطر.

 

لذلك سيكون أيلول مختلفًا. الشهر يبدأ الثلثاء، لكن كل المؤشرات تدل على أن سخونة الميدان ستبقى مرتفعة. المفاوضات في روما لم يُحدد موعدها بعد، ولا توجد حتى الآن مؤشرات تسمح بالقول إن التسوية أصبحت قريبة. الحرب مستمرة، والرسائل السياسية لم تصل إلى مرحلة الحسم، فيما يبقى الجنوب مفتوحًا على احتمالات عدة.

 

وفي هذا السياق، تتوقف معلومات متداولة عند ملف علي الطاهر، وسط حديث عن أن «الحزب» يفضّل القتال وتسليمه إلى الجيش الإسرائيلي بدل تسليمه إلى الجيش اللبناني. وإذا صحت هذه المعلومات، فإن القضية لا تعود مجرد ملف أمني. المسألة تصبح مرتبطة مباشرة بمفهوم الدولة. كيف يمكن لدولة أن تستعيد سيادتها إذا كان طرف مسلح يفضّل التعامل مع الجيش الإسرائيلي في ملف يفترض أن يكون الجيش اللبناني هو المرجع فيه؟ السؤال هنا أكبر من علي الطاهر. السؤال هو من يملك القرار على الأرض؟

 

وتكشف معلومات «نداء الوطن» أن الجانب الإيراني أبلغ الأميركي تمسكه بالجبهة اللبنانية. وإذا تأكدت هذه المعطيات، فإنها تعني أن طهران لا تزال تنظر إلى الساحة اللبنانية كجزء من معادلتها الإقليمية، وأن قرار تهدئة هذه الجبهة لن يكون منفصلا عن الحسابات الإيرانية ـ الأميركية. وهذا يعني عمليًّا أن الأزمة ستبقى مفتوحة، وأن الوصول إلى تسوية لن يكون سهلا.

 

والتوقيت يزيد المشهد تعقيدًا. إسرائيل تقترب من موعد انتخاباتها، والولايات المتحدة تقترب من انتخاباتها النصفية. كل طرف يريد الدخول إلى استحقاقاته من موقع أقوى. كل طرف يريد أوراقًا إضافية على الطاولة. وكل طرف يحاول تحسين شروطه قبل أن يبدأ الاستحقاق السياسي. وبين هذه الحسابات، يبقى لبنان الحلقة الأضعف.

 

لهذا تأتي ذكرى الأول من أيلول هذه السنة في ظرف استثنائي. لبنان الكبير الذي احتفل بولادته قبل أكثر من قرن يخشى اليوم على أرضه وحدوده وقراره. والخطر ليس في الحرب وحدها، بل في اليوم الذي يليها. الخطر في أن تتحول نتائج الميدان إلى حدود جديدة، وفي أن تتحول التسويات الخارجية إلى قواعد داخلية، وفي أن يبقى القرار اللبناني موزعاً بين الدولة والسلاح والخارج.

 

أيلول قد يكون عظيمًا فعلا، لكن ليس بالمعنى الذي يريده اللبنانيون. قد يكون عظيمًا بحجم المواجهة، وبحجم المفاوضات، وبحجم الضغوط التي ستتعرّض لها الدولة. الأيام المقبلة ستكون حاسمة. إمّا أن تفتح روما باب التسوية، وإمّا أن يواصل الميدان رسم الوقائع. وإمّا أن تستعيد الدولة زمام المبادرة، وإمّا أن تتّسع مساحة الفراغ.

 

 

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل