صحيفة نداء الوطن – أحمد الأيوبي
لا يمكن تقدير مدى وحجم الكارثة التي أوقعها الحرس الثوري الإيراني، عبر فرعه في لبنان المسمّى “الحزب”. فهي كارثة تتوالد منها المصائب والموت والدمار وتعطيل عجلة الدولة، وقد حوّلت الشيعة وسائر اللبنانيين إلى أكياس رمل ورهائن في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا حتى نملة… حتى وصل الانهيار إلى القطاعات الحيوية، فتلاشت الطاقة، وتعطّل القانون، وسادت الفوضى، وحلّ الظلم، وسقطت أعمدة الكيان، حتى باتت أعمدة بعبدا والسراي الكبير متصدّعة تحت وطأة ضغوط لا تنتهي، في دولة يضيع فيها القرار، ويمتصّ ما تبقّى من قدراتها ثنائيّ امتهن الابتزاز والإرهاب باسم الشيعة، وباسم الوطن، وباسم فلسطين.
لقد خرّب الفرع اللبناني للحرس الثوري الإيراني حياة الشيعة فأحالها جحيمًا لا يُطاق، وحوّل جمهورهم إلى حالة جماعية من تشجيع الخروج على القانون، فإذا بهم يتأقلمون مع زراعة وتجارة الممنوعات، ولا يجد أكثرهم بأسًا في البلطجة والسرقة، وفي حماية تجار المخدرات وقطاع الطرق، حتى تحوّلت مناطق كثيرة إلى ملاذات للجريمة والعنف والإرهاب، ضد الجيش وضدّ سائر اللبنانيين. وهذا يشمل الاقتصاد الموازي، حيث نشأت طبقة “تجار” اغتنت من التهريب وبيع البضائع بأسعار غير قابلة للمنافسة، وهذا ما أوقع خسائر في عمق الاقتصاد الوطني لا علاج لها.
هذا هو حال لبنان في قلب المواجهة المندلعة على المنطقة العربية، حيث ترى إيران بلاد العرب غنيمة من “حقها” الاستيلاء عليها مقابل “إخراج” أميركا منها، في إطار خطاب الوهم المستشري لدى ما تبقى من رؤوس حامية تدير أكبر عملية انتحار جماعي في التاريخ المعاصر.
بعد حكم الحرس الثوري في لبنان (“الحزب”) الذي تأخّر الأميركيون كثيرًا في تحديد تصنيفه الصحيح، خلال عهد ميشال عون، تساقطت بشكل متسارع كلّ حقوق اللبنانيين، ونهبت السلطة أموالهم في المصارف، ثمّ انقضّت عليهم فأجهضت انتفاضتهم التشرينية بالتحالف بين “الحزب” وحركة “أمل” و”التيار الوطني الحر” وتيار “المستقبل” ضمنًا، وبعد عبور الفراغ الرئاسي وصلنا إلى عهد جوزاف عون وحكومة نواف سلام، الذي لم يستطع وقف التدهور، بل تورّط في المزيد من الضرائب وعجز عن الإصلاح وفشل في تأمين استرداد أموال المودعين، تحت وطأة حربي الإسناد التي شنها الفرع اللبناني للحرس الثوري، فأسقط كلّ آمال التعافي وأنهى كلّ مشاريع النهوض بالبلد.
يبقى السلاح غير الشرعي العقدة السرطانية غير القابلة للحلّ والتجاوز، فهي الأساس في إمكانية خلاص لبنان، لأنّه لا يمكن تصوّر حصول الاستقرار والتعافي بوجود سلاح منفلت مرتبط بإرادة طهران التي تعلن ليلا نهارًا عداءها للعرب وإصرارها على نشر الإرهاب والفوضى.
لا يجب الرهان على انتهاء الصراع في الإقليم باعتباره يكفي الدولة القتال من أجل سيادتها، سياسيًا وميدانيًا، ففرض السيادة لا يمكن أن يكون انتقائيًا، وربط لبنان بمسار إسلام آباد جريمة بحق لبنان، وربطه أيضًا بالمواجهة بين إيران وأميركا خيار غير عقلاني، فعلى الدولة واجب لا أحد يمكنه القيام به عنها، وهو ضروريّ للوصول إلى اتفاق يُخرج لبنان من الحرب مع إسرائيل، ويضمن تحرير جنوبه ويكفّ سلاح طيرانها عن سمائه، فلا يمكن تحقيق أيّ استقرار من دون تثبيت اتفاق ينهي بالفعل حالة الحرب مع إسرائيل بمظلة أميركية عربية (سعودية قطرية) تركية على مستوى الإقليم، في مسار يشابه مسار إنقاذ سوريا التي سبقت حتى بعض دول الجوار في التقدّم والاندماج في منظومة ونظام المصالح العربية والدولية.
الأخطر في كلّ ما يجري هو أن لبنان يواجه مخاطر مصيرية وكيانية تهدّد بخسارة ما يزيد على 600 كلم من أراضيه الجنوبية إذا استمرّت المراوحة والعجز عن المبادرة، مع ما يعنيه ذلك من تداعيات على التوازنات السكانية والسياسية، في ظلّ تركيبة شديدة الهشاشة والضعف. وهذا ما يغفل عنه أغلب المنبهرين بحالة الجمود، فهم لا يفرّقون بين الحذر وقلّة الحيلة، وبين الحكمة والقدرة على المبادرة لاغتنام الفرص التي لا تتكرّر.