ليس كثيرا أن تتحرّك الولايات المتحدة الأميركية باتجاه لبنان على ايقاع تسارع العواطف الإيرانية تجاهه، فقد أثبتت الأحداث أنه، وفي كل مرة كانت الجمهورية الإسلامية تخطو لبنانيّاً خطوة متقدمة، كانت أميركا تتعمّد أن تكون حاضرة في المشهد لإعادة التوازن إلى المعادلة.
زيارة نجاد بيروت والجنوب نبّهت العالم إلى أن لبنان يكاد يصبح لقمة إيرانية سائغة
هكذا حصل بعد زيارة الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد بيروت والجنوب، تلك الزيارة التي نبّهت العالم إلى أنّ لبنان يكاد يصبح لقمة إيرانية سائغة، خصوصاً بعد الإطاحة بحكومة سعد الحريري، التي لم يعقبها أي ردّ أميركي أو أوروبي أو عربي مؤثّر.
وبناء على هذه القاعدة التي لا تخطىء، فإن الجرعات الإيرانية الزائدة كانت السبب مرات عدة في إعادة لبنان إلى الواجهة الدولية، من زاوية تصحيح التوازن، وبخلفية عدم الإتاحة لإيران أن تبتلع اللقمة اللبنانية بسلاسة، في وقت تدخل الجمهورية الإسلامية في اشتباك في الإقليم مع جزء من المجتمع الدولي الذي تتصدّره الولايات المتحدة الاميركيّة. هذا الاشتباك المستمرّ الذي يضع أميركا في استنفار دائم لمحاصرة إيران أكثر ممّا هي محاصرة بالعقوبات، ولقطع الطريق عليها في سعيها لتعويض الضرر الذي أصاب علاقتها بالنظام السوري جراء ازمته، بالإمساك الكامل بالملف اللبناني، وبفرض مسار يؤدّي إلى نشوء علاقات لبنانيّة وإيرانية مميّزة (كنموذج العلاقات المميزة مع النظام السوري خلال فترة الوصاية).
هذه كانت الخلفية الأساسيّة لزيارة مساعد وزير الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان بيروت، فهي تقرّرت بعدما علم الأميركيون أن الوفد الإيراني الرفيع آت لتوقيع اتفاقات مع لبنان، جزء منها على تماس مع العقوبات المفروضة على إيران، والجزء الآخر يشكّل قسماً من مشهد التكامل في العلاقة المميزة التي تريدها طهران.
وقد استدعت زيارة الوفد الإيراني عملاً استباقياً من الأميركيين، تمثّل باتّصال وزير الخارجية هيلاري كلينتون برئيس الجمهورية، وإشادة متأخرة بموقفه في قمّة بغداد، وبالإعلان عن ايفاد فيلتمان إلى بيروت، وبممارسة الضغوط لخفض عدد الاتفاقات التي ستوقّع مع الجانب الإيراني إلى اتفاق واحد.
ملخّص الاهتمام الأميركي الطارئ بالملف اللبناني كانت أجندته إذاً في مواجهة التمدد الإيراني، وإيصال رسالة إلى الجهات الرسمية الصديقة بأن أميركا لن تسمح بتحويل لبنان إلى حديقة خلفية للنفوذ الإيراني، خصوصاً في مرحلة تتّسم بممارسة الضغط على إيران في ملفها النووي. وعدا ذلك من احتمال أن تكون زيارة فيلتمان مناسبة للتشديد في تطبيق لبنان العقوبات الاقتصادية المفروضة أميركيّا وأوروبيّا وعربيّا على النظام السوري، فإنّ المنطق يقول إن الولايات المتحدة قادرة على ممارسة هذه الضغوط من دون استحداث ايفاد مساعد وزير الخارجية في رحلة لم تكن أصلاً موضوعة على جدول الأعمال قبل زيارة الوفد الإيراني.
ولزيارة فيلتمان مؤشرات ورسائل عدة جانبية، منها ما يتوجّه إلى الأصدقاء في السلطة (سليمان، ميقاتي، جنبلاط)، والذين تعتبر الولايات المتحدة أن مشاركتهم في الحكومة وفي تقديم الغطاء لها يُسهم في تمرير مرحلة انتقالية خطرة، ومنها ما يتوجّه إلى قوى 14 آذار التي استقبلت فيلتمان في منزل المرشح الرئاسي بطرس حرب. وهذا الاستقبال الذي اختير له المكان بعناية، يعكس توجّهاً لدى 14 آذار للاستعداد لمرحلتَي الانتخابات النيابية، فالرئاسية، وهو لا يمكن فصله عن مسار بدأته هذه القوى للتعامل مع استحقاق التحوّل الحاصل في سوريا، والذي سينعكس لبنانيّا موازين قوى مختلفة، بدءا من اختبار الانتخابات النيابية. وانطلاقا من هذه المناخات، قد تكون زيارة بطرس حرب القريبة إلى واشنطن بداية للبحث الجدي في خارطة طريق تستعدّ 14 آذار لتقديمها كمشروع سياسي يطمح إلى تصوّر طريقة إدارة الملف اللبناني في مرحلة ما بعد جلاء الغبار في سوريا والمنطقة.