صحيفة نداء الوطن – داود رمال
واشنطن ترمّم مسار التفاوض
بعد الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما بوساطة أميركية، دخل المسار التفاوضي مرحلة بالغة الدقة، بعدما واجه صعوبات كبيرة جعلت استئناف الحوار بصورته الطبيعية أمرًا غير يسير. وفي هذا الإطار، انصبّ الجهد الأميركي عبر السفير ميشال عيسى على إعادة بناء الثقة بين المفاوضَيْن اللبناني والإسرائيلي، انطلاقًا من قناعة بأن العودة إلى طاولة التفاوض تحتاج إلى خطوة عملية تفتح الباب أمام استعادة المناخ المناسب للجولة الثامنة.
ومن هنا جاء الاقتراح بأن تقدّم إسرائيل خطوة أو بادرة حسن نية في ملف الأسرى، تبدأ بالمدنيين، على ألّا يقل عدد المفرج عنهم عن عشرة أسرى، لتكون هذه الخطوة مدخلا إلى استئناف المفاوضات في روما في جولتها الثامنة. وأثمر الجهد الأميركي عبر السفير عيسى، الذي زار إسرائيل والتقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عن الإفراج عن دفعة أولى من خمسة أسرى، في خطوة رُبطت أيضًا بمساع لبنانية جدية وملموسة لكشف رفات عدد من اليهود فُقدوا في لبنان إبّان الحرب اللبنانية، وتحمل أيضًا بعدًا تفاوضيًا باعتبارها إجراء لبناء الثقة وكسر الجمود الذي أعقب الجولة السابعة.
والعمل جار، وفق هذه المعطيات، على عقد الجولة الثامنة في روما بعد مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس منتصف الشهر الحالي، بما يعكس محاولة لإبقاء المسار التفاوضي والمؤسساتي اللبناني ضمن دائرة الحركة، وعدم ترك لبنان رهينة كاملة لتطورات المواجهة الإقليمية.
لكن اللافت أن الموفدين الذين زاروا لبنان أخيرًا لم يحصروا نقاشاتهم في الحرب والمفاوضات، بل ركّزوا على عنوان أساسي أطلقوا عليه “استراتيجية مساعدة الناس”. والمقصود أن تستعيد الحكومة حضورها الفعلي على الأرض عبر وزاراتها ومؤسساتها، خصوصًا في الجنوب والمناطق التي عاد إليها النازحون، حيث تتراكم الحاجات الأساسية.
فالرسالة التي حملها الموفدون واضحة، ومفادها أنه لا بدّ من الفصل بين الملفات الخدماتية والحياتية الداخلية وبين الحرب ومسار التفاوض. وليس مقبولا أن تبقى البنى التحتية والخدمات الأساسية معلّقة بانتظار ما ستؤول إليه المواجهة في المنطقة. فالدولة مطالبة بالعمل الآن، لا بعد انتهاء الحرب أو اكتمال التسوية السياسية.
وأبدى الموفدون استعداد بلادهم للمساعدة ماليًا وعينيًا، لكنهم يشددون على ضرورة وضع خطة عملية قابلة للتنفيذ تحدد الأولويات وآليات العمل والجهات المسؤولة. وما يسجّله هؤلاء هو بطء غير مبرّر في الانتقال من المواقف والوعود إلى الحضور الحكومي العملي على الأرض، الأمر الذي يزيد الفجوة بين الدولة والمواطن ويترك فراغًا قابلًا لأن تملأه جهات أخرى.
ويبرز ملف الكهرباء باعتباره الاختبار الأكثر وضوحًا. فمع وجود استعدادات عربية للمساعدة في حسم هذا الملف، ومع وجود خطة واضحة لدى وزير الطاقة والمياه جو صدي تحتاج إلى التمويل للتنفيذ، تتزايد الأسئلة عن أسباب استمرار التعطيل. وهنا تبرز علامات استفهام حول وجود “قطبة مخفية” قد تتقاطع فيها حسابات داخلية مع اعتبارات خارجية لإبقاء الملف في دائرة المراوحة، فيما يدفع المواطن اللبناني وحده ثمن الانهيار.
ولم تعد الخدمات الأساسية قضية يمكن الصبر عليها، بل أصبحت جزءًا من معادلة الاستقرار. فكلما تراجعت قدرة الدولة على تأمين أساسيات الحياة، ازداد احتمال لجوء الناس إلى أي جهة قادرة على مساعدتهم، حتى لو كانت الجهة نفسها هي السبب المباشر في الخراب الذي أصاب حياتهم. وهذا تحديدًا ما يحذّر منه الموفدون بقولهم: “أن يصل الناس في مرحلة ما إلى اعتبار من تسبب في خرابهم وضياع مقومات حياتهم ملاذهم الوحيد”.
وهنا تقع المسؤولية أولا على الحكومة اللبنانية، التي لا تستطيع تعليق كل شيء على نتائج الحرب والتفاوض. لكنها في الوقت نفسه مسؤولية عربية ودولية، لأن الاستعداد للمساعدة يجب أن يتحول إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، لا أن يبقى في إطار البيانات.
وبين روما وباريس والجنوب، تبدو المعادلة واضحة، وتقوم على أن إنجاح التفاوض يحتاج إلى الثقة، وحماية الاستقرار تحتاج إلى دولة حاضرة، ومساعدة الناس تحتاج إلى قرار سياسي يتجاوز الانتظار. فالمعركة ليست فقط على طاولة التفاوض، بل أيضًا على منع الفراغ من التحول إلى واقع دائم، وعلى استعادة الدولة لعلاقتها المباشرة بالمواطن قبل أن يصبح اليأس والحاجة مدخلا لإعادة إنتاج النفوذ السياسي والاجتماعي لمن كانوا سببًا في أزمات لبنان.