#adsense

خاص ـ فجر السيادة الذي دفعنا ثمنه دمًا (جوزيف بوهيا)

حجم الخط

غدًا، حين ترتفع الصلاة في معراب لراحة أنفس شهداء المقاومة اللبنانية، لن نقف أمام ذكرى من الماضي فحسب، بل أمام المسافة الهائلة التي قطعتها فكرتهم حتى بلغت قلب الدولة. فهذا القداس ليس استعادةً لما كان، بل قراءةٌ في ما أصبح ممكنًا بفضل الذين دفعوا الثمن يوم لم يكن في الأفق سوى ليل الوصايات.

قبل أن يطلّ “فجر السيادة” في خطاب المؤسسات، كان حيًّا في وجدان المقاومة. وقبل أن تتحدث الدولة عن سيادتها، قالت “القوات اللبنانية” ما يجب أن تكون عليه: لبنان وطن نهائي لأبنائه، الدولة مرجعية لا شريك لها، الجيش حامي الحدود، وقرار الحرب والسلم حق حصري للشعب اللبناني عبر مؤسساته.

تبدو هذه الكلمات اليوم بديهية، لكنها لم تولد كذلك. كان التمسك بها يُصوَّر انعزالًا، والدفاع عنها يُعامل تهمة، والمطالبة بدولة كاملة السيادة توصف مغامرة. ومع ذلك حملتها القوات في زمن الحرب، وحمتها في زمن الاضطهاد، ولم تتخلَّ عنها تحت وطأة الاعتقال والحصار ومحاولات الإلغاء؛ حتى انتقلت الفكرة من موقع الاتهام إلى قلب الشرعية، وصار ما استُشهد مقاومون من أجله لغةً للدولة ومطلب كل لبناني سيادي، وهؤلاء هم الأكثرية الحرة التي تريد وطناً لا ساحةً مفتوحة للآخرين.

ذلك أحد أعمق انتصارات “القوات اللبنانية”: لم تفرض على لبنان قاموس حزب، بل أعادت إليه قاموس الجمهورية. لم تطلب من اللبنانيين أن يصبحوا قواتيين، بل دفعتهم التجربة إلى الالتقاء على ما قالته القوات باكرًا: لا وطن بقرارين، ولا سلام بسلاحين، ولا جمهورية بسيادتين. وما كان يُقدَّم ذات يوم بوصفه موقف فريق، بات اليوم الحد الأدنى الذي لا تقوم دولة من دونه.

والدولة تتكلم عادةً بصوت مجرّد، لكن بعض مفرداتها تصل إليها مجرَّحة. والسيادة واحدة منها. لم تنتقل من كتاب إلى بيان، بل عبرت عرق المقاتلين، وندوب المصابين، وبيوت الشهداء، وسنوات المعتقلين، حتى استقرّت في النص الرسمي. لذلك ليست هذه الكلمات ملكًا للبلاغة السياسية؛ إنها ذاكرة مكثّفة لتجربة مجتمع قرر ألّا يُمحى، وأن يحوّل جراحه من أثر للمأساة إلى قوة تصنع التاريخ.

وفي قلب هذه المسيرة وقف سمير جعجع، الحكيم: في الحرب كان القائد، وفي السجن كان القدوة، وفي السلم كان البوصلة التي حفظت الاتجاه حين اختلطت الطرق. تبدّلت المراحل ولم تتبدّل القضية. وكانت حكمته في أن يدرك أن الأمانة للتاريخ لا تكون بتجميده، بل بحمل جوهره إلى المعركة التي يفرضها كل زمن.

لهذا لم تكن المقاومة السياسية تراجعًا عن المقاومة، بل ارتقاءً بوظيفتها. انتقلت من حماية المجتمع عندما كان وجوده مهددًا، إلى بناء الدولة كي تصبح قادرة على حماية الجميع. فالمقاومة لا تُقاس بالأداة التي تستخدمها، بل بالغاية التي ترفض التخلي عنها. وقد تكون الشجاعة في حمل السلاح، ثم تصبح في حمل موقف طوال سنوات العزلة، ودخول المؤسسات من دون الذوبان فيها، وخوض السياسة من دون بيع الثوابت.

وهذا ما ينبغي أن يفهمه الجيل الشاب: إن خطاب الدولة السائد اليوم لم يولد في بيان وزاري، ولم تهبط مفرداته فجأة على المؤسسات. وراءه نضال طويل نقل السيادة من حلم يُعاقَب أصحابه إلى التزام تعلنه الجمهورية. وما يبدو اليوم بدايةً طبيعية كان، في زمن قريب، موقفًا مكلفًا يحتاج إلى رجال يثبتون عليه وهم يعرفون الثمن.

ومع ذلك، لم يكتمل النهار. فأن تتبنّى الدولة لغة السيادة لا يعني أنها حققتها كاملة. وبين الإعلان والإنجاز لا تزال هناك مسؤولية تاريخية على القوات أن تحملها بالمقاومة السياسية نفسها: ثباتاً وضغطاً ومحاسبةً وحضوراً في المؤسسات، حتى تتطابق الجمهورية مع اللغة التي باتت تعلنها، ويزول ذلك الشرخ القديم بين الدولة كما تُكتب والدولة كما يعيشها أبناؤها.

لقد أوصلت القوات كلمات شهدائها إلى أعلى منابر الجمهورية، لكنها لن تكتفي بأن تسمع الدولة تتكلم لغتهم؛ ستبقى تدفعها إلى أن تحياها. فغاية المسيرة ليست أن يبقى لبنان وطناً يحلم أبناؤه بالدولة، بل أن يصبح وطناً يعيشون فيها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل