#adsense

نجاح زيارة ساركوزي لسوريا يعني عزل “حزب الله” وإضعاف إيران

حجم الخط

طهران "تحرق" صندوق البريد الدمشقي و"مسكّنات" الأسد "المنارية" لم تمنع الإشادة بالسعودية
نجاح زيارة ساركوزي لسوريا يعني عزل "حزب الله" وإضعاف إيران

إفتراض أنّ كل التنظيرات حول زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لسوريا صحّت، فمن سيكون الخاسر الحقيقي :قوى الرابع عشر من آذار أم "حزب الله"؟

وكي يستقيم طرح هذا السؤال أكثر، فإن الفرضية تنطلق من أن فرنسا الساركوزية قررت أن تُقايض سوريا الأسدية على كل شيء، بما في ذلك المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وعلاقاتها التاريخية بموطن الأرز، وصلاتها بكل من المملكة العربية السعودية وجمهوريّة مصر العربية، في مقابل أن يواصل النظام السوري فكّ ارتباطه الإستراتيجي بإيران وبأذرعتها في العراق ولبنان وفلسطين، وتصفية الشخصيات "المشكو" إسرائيليا من أدوارها، على غرار القائد العسكري لـ"المقاومة الإسلامية في لبنان" عماد مغنية والمستشارالرئاسي للشؤون الأمنية والعسكرية العميد محمد سليمان، الذي تفجّع عليه الأسد بقضاء إجازة عائلية في احد المنتجعات التركية.

ففي هذه الحالة، من هو الخاسر شكلا ومن هو الخاسر فعلا؟
يُدرك كبار المراقبين السياسيين أن جلّ ما قدمته فرنسا للبنان، حتى في عزّ الشيراكية، كان الإتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية على سحب الوكالة المعطاة للنظام السوري في لبنان، بالإضافة الى تنظيم مؤتمرات دولية لتوفير مساعدات مالية تُعين الإقتصاد اللبناني على الصمود، وقيادة العمل الدبلوماسي الهادف الى ترسيخ مبدأ مساءلة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

وعدا ذلك، لم تتمكن باريس من مساعدة قوى الرابع عشر في أي ملف آخر، حتى إن الرئيس السابق جاك شيراك الذي هاله العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز العام 2006 في وقت كانت تل أبيب تحمّل المسؤولية عن رعاية "حزب الله" وتسليحه الى النظام السوري، قد تلقى رسالة من رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت يُبلغه فيها بأن بقاء النظام السوري يُعتبر مصلحة إستراتيجية لبلاده، ولذلك لا داعي لممارسة باريس أي ضغط على حكومته من أجل إجراء أي تعديل في وجهة نيرانها. يومها سُمع الرئيس شيراك يُردّد أنه بعد ما تعرّف على مساوئ أولمرت بدأ يترحم على آرييل شارون.

ويوم انتهت ولاية الرئيس شيراك وتسلّم الرئيس ساركوزي قصر الإليزيه، حاولت واشنطن أن ترث لبنان، فراح الرئيس الأميركي جورج بوش يتصرّف على اساس أنه هو البديل لشيراك، فكان إرجاء قيادة عملية إقرار المحكمة الدولية في مجلس الأمن لحظة خروج شيراك من السلطة.
وهذا يعني أن واشنطن التي تعرف ساركوزي "حلّة ونسباً" كانت تُدرك أنه لن يكون في المسألة الشرق أوسطية عموما واللبنانية خصوصا، حالة شيراكية أو ديغولية.

وعلى هذا الأساس، أخذ ساركوزي على عاتقه مهمة في غاية الصعوبة والحيوية في آن، تقضي بفصل النظام السوري المطلوب إسرائيليا ثباته، عن إيران المطلوب دوليا أن تتخلى، طوعا أو جبرا، عن برناجها النووي.

وكانت البداية الساركوزية من مؤتمر الحوار الوطني الذي انعقد في "سيل سان كلو" بالقرب من فرساي، على مستوى الصف الثاني، حيث جرت محاولة لجس نبْض "حزب الله"، فكان التأكد من استحالة الفصل بينه وبين إيران، ومن ثم تمّ الإنتقال الى جس نبض النظام السوري، فتبيّن أنه يطلب أثمانا غالية لقاء تقديمات شكلية.

وهكذا تراجعت باريس الى ما وراء واشنطن، حيث عادت، للمرة الأولى، لغة تغيير الأنظمة وصدرت مؤشرات "أوّلية" الى إمكان فتح باب البيت الأبيض أمام المعارضة السورية بعدما تمّ تمرير بعض المعارضين "النحيلين" جدا من "شق" ضيّق للغاية، وتعاظمت الهجمة الأميركية على شخصيات محورية في النظام وبعضها يمكن توصيفه بأنّه التوأم الأمني للأسد كحالة حافظ مخلوف وبعضها الآخر يمكن وصفه بالتوأم الإقتصادي للأسد وحامل محفظته المالية، كحالة رامي مخلوف، وجرى ابلاغ النظام السوري بوسائل أميركية عدة بأنّ الرهان على إسرائيل يصلح مع رئيس أميركي يطلب التجديد لنفسه وليس مع "خليل الله" جورج بوش، وتاليا فإنّ على الأسد أن يتوقع الأسوأ في المرحلة التي تفصل بين انتخاب رئيس جديد وبين حفل تنصيبه، خصوصا وأن المسألة اللبنانية تشهد في الكونغرس الأميركي حماسة ديموقراطية تتفّوق بكثير على الحماسة الجمهورية، وعندما دخلت إسرائيل على خط تسويق الإنفتاح على الأسد، بقيت واشنطن ممانعة الى تلك اللحظة التي فهم فيها الإسرائيلي أن لبنان ممنوع إدخاله في المقايضات القذرة.

وتأسيسا على ذلك، صدرت مؤشرات على أن الأسد سوف يُساهم إيجابا في انتخاب رئيس جديد للبنان، وقد جرى ابلاغ فرقاء كثر بذلك، حتى إن مسؤولا قطريا رفيعا اتصل بالعماد ميشال سليمان وأبلغه بهذا التطور مباركا له الإنتقال من اليرزة الى بعبدا.

وفي هذا التوقيت بالذات، تحرّك "حزب الله" لفرض وقائع ميدانية جديدة. كان يريد التستر بالإتحاد العمالي العام، ولكنه وجد نفسه أمام "طريدة" أكبر، تجلت بقراري الحكومة المتعلقين بشبكة هاتفه وبأمن المطار، فكانت غزوة بيروت بمثابة رسالة إيرانية الى المجتمع الدولي، أن الأسد مجرد وكيل معتمد عند السيد علي خامنئي، الذي يبقى هو صاحب القرار الأوحد في لبنان، ولذلك فإن اتفاق الدوحة ترنّح طويلا على شفا الفشل، إلى أن تدخل وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي.

ولكن هذا الدخول الإيراني على خط "عزل" الأسد مؤقتا عن لبنان، أدخل تعديلات بسيطة على التكتيك الدولي بموافقة سورية، فكان أن تكفّلت إسرائيل، تهديدا، بتصفية "حزب الله" من خلال تهديم كل لبنان على رأسه، فيما أعلن الأسد، للمرة الأولى، أنّه في حال تمّ توجيه ضربة عسكرية لإيران، فإن بلاده لن تدخل في الحرب.

وعلى هذه القاعدة بالتحديد، وصل ساركوزي الى دمشق على بساط إعلان التبادل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا، محترما بذلك الضوابط التي سبق وفرضتها واشنطن على تل أبيب، ولحقه اليها أمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، لعقد قمة موضوعها الأساس تكريس الفصل الإستراتيجي بين دمشق وطهران، بحيث وافق الأسد على أن ينتقل من ورقة تُهدّد بها إيران الى صندوق بريد لرسائل التهديد التي تكتبها الدول الكبرى.

وهذا يعني أنّ المؤيدين لـ"حزب الله" المهللين للإنفتاح الفرنسي على سوريا، هم أقرب ما يكون الى من يتلذذ بلحس المبرد، فموافقة الأسد على الإنفصال الجبهوي عن إيران مع مواصلة رفع شعار الصداقة التاريخية، تكاد تكون مماثلة للحظة المؤسسة لجريمة الرابع عشر من شباط 2005، وهي تلك التي أعلن فيها الرئيس رفيق الحريري وجوب فصل العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا عن مواصلة دمشق وضع يدها على لبنان، داعيا الى الشراكة كبديل عن الوصاية.

ومن شأن هذا الإنفصال الذي تكرّس وأدخل العلاقات الإيرانية ـ السورية في حقبة الحذر الشديد، أن يرتد سلبا على "حزب الله" حصرا لأنه بات مستفردا، وهو يعرف أن إسرائيل لن تُقدم على توجيه ضربة عسكرية إلى لبنان إلا عندما تتوافر لها ضمانات، بدأت بالتكوّن، بأن الاسد لن يرى ولن يسمع، بل يكتفي ببيع بعض المواقف "البطولية" التي لا تُسعف جريحا، ولا تُطعم جائعا، ولا تذخّر مقاتلا.

ولأن المشهد هو بهذه الدقة، يُصبح مفهوما إستذكار الرئيس سليم الحص للرئيس المصري الراحل أنور السادات ـ وإيران تستفرد بتكريم قاتله خالد اسلامبولي وتُعيده في هذه الأيام، بواسطة الفن، الى الواجهة ـ بطريقة أوحى الحص من خلالها بأن الأسد يسير على درب "صانع" كامب دافيد، كما يُزال الإبهام عن الموقف الذي صدر عن وزير الإتصالات جبران باسيل ضد "لهجة" الرئيس السوري وطريقة "كلامه" عن لبنان، لأنه هو الأدرى بحقيقة موقف "حزب الله" من أمثال نبيل نقولا، المُدمنين على تنفيذ أوامر التبرير، التي سيطويها دخول لبنان في مرحلة جديدة، عنوانها استنساخ "حزب الله" للحذر الإيراني من سوريا، بغض النظر عن محاولات تهدئة النفوس التي دفعت الأسد الى الإطلالة على قناة "المنار"، التي بثّت لاحقا حلقة تلفزيونية محورها الإشادة، من البوابة الدينية، بالمملكة العربية السعودية، في وقت كان الإعلام السوري يشن حملة عليها إنطلاقا من تلويح الأسد في القمة الرباعية.

وفي مطلق الأحوال، فإن المشهد يُصبح أكثر وضوحا، عندما يتم تفكيك الشيفرة الإيرانية، من خلال التدقيق بردود فعل قيادات الجمهورية الإسلامية على ما نطق به ساركوزي، فالهجوم الذي استهدف الرئيس الفرنسي الذي تراوح بين اتهامه بالأسرلة وبين السخرية منه، يعني شيئا واحدا، وهو رفض طهران لكل رسالة تردها عبر الأسد، بصفته صندوق بريد، لأن طهران تريده ورقة… لا أكثر ولا أقل.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل