#adsense

النّظام الإيراني: من الشّراكة إلى النّبذ!

حجم الخط

صحيفة النهار – علي حمادة

 

لافت جداً موقف باكستان من هجمات الحوثيين ضد المملكة العربية السعودية، وذلك في انعطافة قاسية بعيداً عن موقفها الوسطي بين إيران وخصومها، وبعيداً عن دورها كوسيط بين إيران والولايات المتحدة. وقد دان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ما وصفه بأنه “هجوم جبان” يهدد الأرواح البريئة ويقوّض الأمن والاستقرار، مؤكداً وقوف بلاده بجانب المملكة، فيما لوّح وزير الدفاع خواجة محمد آصف بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك الثلاثية.

وقد جاء هذا الموقف في أعقاب تصعيد كبير قامت به جماعة الحوثي، والذي ما كان ليحصل بعيداً عن القرار الإيراني في مرحلة بات واضحاً فيها أن طهران تسعى إلى توريط المنطقة بأسرها في الحرب مع أميركا ورفع الكلفة على دول الجوار. ويعتبر موقف باكستان، وهي القوة النووية الإسلامية الوحيدة في العالم، تحولاً يعكس توجهاً لترجمة عملية لـ”اتفاقية مكة” الثلاثية للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية، تركيا وباكستان، إذ إن روحية الاتفاقية تقوم على اعتبار أي اعتداء على أحد الأعضاء اعتداءً على الأعضاء الثلاثة. هذه الروحية تذكر بالبند 5 من ميثاق “حلف شمال الأطلسي” الذي يقوم على المبدأ نفسه. والحال أن الدول الثلاث الموقعة على “اتفاقية مكة” تعتبر دولاً قوية ومتقدمة عسكرياً وأمنياً وتتمتع بقدرات كبيرة تفرض على إيران المتداعية راهناً بسبب خسائرها الضخمة في الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أن تعيد النظر في حساباتها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالسعودية.

 

ولذلك يتوقع عدد من المراقبين أن يكون للتحذيرات الباكستانية حيال إيران صدى عميق في طهران. فالأمر يتعلق اليوم بجماعة الحوثي المصنفة ذراعاً إيرانية تضاف إلى الأذرع الأخرى في العراق وفي لبنان، ويستحيل أن تتجاوز خطوطاً حمراً إلا في إطار ما يسمى قرار تحالف “وحدة الساحات” الذي تقوده إيران مباشرة في سياق حربها الوجودية كنظام مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وعكست الهجمات الأخيرة التي أتت في ركاب احتدام المواجهات بين الجيش الوطني اليمني وجماعة الحوثي، فقدان الحوثيين للمبادرة العسكرية، وتراجعهم في العديد من الجبهات الرئيسية، بعدما أجهضت محاولاتهم للوصول مباشرة الى مقربة من باب المندب، في محاولة للسيطرة عليه بالطريقة نفسها التي يسيطر، أو أقله، يؤثر فيها الإيرانيون على حركة المرور في مضيق هرمز. وعملياً فوجئ الحوثيون بأن الشرعية اليمنية تمكنت بدعم من التحالف العربي لدعم الشرعية الذي تقوده المملكة العربية السعودية  من بناء قدرات عسكرية جديدة، غيرت في موازين القوى، ودفعت الإيرانيين إلى التصعيد الواسع في محاولة لرفع كلفة محاصرة الحوثيين.

أزمة عدم ثقة

مشكلة النظام الإيراني أن دول الجوار لا تصدق المزاعم بأن طهران لا تملك سيطرة على جماعة الحوثي، لا سيما أن من بين الخسائر الأخيرة المؤكدة التي تكبدها الحوثيون في الأرواح خبراء ومدربين إيرانيين ولبنانيين من “الحزب” متخصصين في إطلاق صواريخ باليستية ومسيرّات انقضاضية متوسطة وبعيدة المدى. كما أن التجربة واضحة في ما يتعلق بدور إيران في قيادة الحوثيين وإدارة نشاطاتهم الأمنية والعسكرية.

وما ينطبق على الحوثيين ينطبق إلى حد بعيد على الأذرع الأخرى في كل من العراق ولبنان. وأسلوب العمل متطابق إلى حد بعيد في البلدان الثلاثة. وأخيراً ازداد تدخل النظام الإيراني في قرار الأذرع وعملياتها في هذه البلدان. ويعزو مراقبون يتابعون الملف اليمني هذا الأمر إلى إحساس ما تبقى من قيادة إيرانية بأن الخطر على بقاء النظام بات داهماً، ما يفسّر تملص طهران من “ورقة التفاهم” مع الأميركيين، ومضاعفتها التركيز على دعم الأذرع مخافة أن تضمحل بسرعة فيكون انهيارها مدخلاً لانهيار النظام في عقر داره. فما زالت عقيدة النظام التي يعبر عنها “الحرس الثوري” قائمة على قاعدة إبعاد خطوط الدفاع الحيوية إلى أقصى حد عن أراضيها. وهذا ما لم يعد متوافراً اليوم بعدما نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل بنقل النار إلى قلب النظام في إيران، لا سيما بقتل المرشد السابق علي خامنئي ومجموعة رئيسية من كبار القادة، وإلحاق خسائر فادحة بالقدرات العسكرية والمجمعات الصناعية الدفاعية والاقتصادية الرئيسية في البلاد.

 

والأهم “احتلال” سماء العاصمة طهران ومعها أجزاء واسعة من غرب البلاد ووسطها، ما أشّر إلى حدود استراتيجية بناء “أسوار” دفاعية استراتيجية في الإقليم، وفشلها في تجنيب النظام خطر السقوط حتى الآن. فالخطر لا يزال كبيراً جداً، لا سيما أن الفاتورة الاقتصادية لحالة اللاحرب واللاسلم التي فرضها الأميركيون على إيران، وأهم دعائمها الحصار المفروض على موانئها في الخليج العربي، وعلى صادراتها النفطية، لها أثر كارثي على الداخل الذي يعيش حالة من الغليان.

 

خلاصة القول، إن إيران لم تعد الشريك الإقليمي الذي تسعى دول الجوار إلى التقرب منه. لقد صارت أشبه بالوباء الذي يحاول الجميع الابتعاد عنه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل