#adsense

كلّ صحافي لبناني «مشروع شهيد»

حجم الخط

يحتفل العالم في الثالث من أيار من كل عام، باليوم العالمي لحرية الصحافة، ويحتفل لبنان في السادس من أيار بعيد شهداء الصحافة الذين قدموا حياتهم دفاعاً عن الحقيقة، فيما تحمّل الآخرون غياهب المنفى وظلام السجون، فهل هناك ما هو أهمّ من حرية الصحافة وتعزيز الأقلام الحرة ؟ فالاغتيالات والاعتقالات والمضايقات، يتعرّض لها الصحافيون في دوَل العالم كلها، فماذا عن الوضع في لبنان؟

سليم اللوزي شهيد الصحافة
يعتبر كثيرون ان الصحافة اللبنانية، وما تتمتّع به من حرية في التعبير في إطار نظام ديموقراطي برلماني يختلف عن طبيعة الانظمة العربية التوتاليتارية والديكتاتورية، شكّلت عامل قلق وإزعاج لهذه الانظمة في معظم الحقبات، خصوصاً في سوريا منذ حُكم الرئيس شكري القوتلي، مروراً بـ حسني الزعيم، وأديب الشيشكلي ونظام الوحدة السورية – المصرية، حتى حكم حزب البعث…

سوريا: إنزعاج دائم

ولم يتوان حكّام سوريا في تلك الفترات، من إبداء انزعاجهم، وقلقهم من الإعلام والصحافة في لبنان. فكم من مرّة قام الرئيس السوري الأسبق حسني الزعيم بإرسال رئيس وزرائه محسن البرازي الى لبنان، لمطالبة الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، بضرورة لَجم الصحافة في لبنان، والتضييق على حريتها؟ وكان الاستياء السوري من الصحافة اللبنانية، أحد أسباب إقفال الحدود السورية – اللبنانية عام 1973، في عهد الرئيس الراحل سليمان فرنجية…

اعتداءات على الصحافة

وكانت عملية اغتيال الصحافي نسيب المتني في 27 أيار 1958، من الاعتداءات البارزة على الصحافة في لبنان. فقد كان المتني من أشد المعارضين لحكم الرئيس كميل شمعون، وكان اغتياله بمثابة الشرارة الاولى التي اطلقت ثورة 1958. واذا كان أركان المعارضة سارعوا الى اتهام "المكتب الثاني" بالوقوف وراء الاغتيال، فإن ثمّة أصواتاً اخرى وجّهت اصابع الاتهام الى الاستخبارات السورية (ايام الوحدة السورية – المصرية) برئاسة العقيد عبد الحميد السراج. وكان الصحافي السوري نهاد الغادري، وفي مؤلّفه "الكتاب الاسود"، قد ألمَح الى أنه "عندما قرّر النظام الوحدوي عام 1958 القيام بثورة ضد الرئيس كميل شمعون، حصل اجتماع بين السفير المصري في بيروت عبد الحميد غالب ورئيس الشعبة الثانية في الاقليم الشمالي (سوريا) عبد الحميد السراج، وتمّ البحث في قيام الثورة، فكان اقتراح غالب، اغتيال المفتي، فيثور المسلمون ضد شمعون. وكان اقتراح السراج، اغتيال ماروني معارض لـ شمعون، فيتفرّق الموارنة من حوله، واذا لم تنجح الخطة يُصار الى اغتيال المفتي. وبالفعل جيء بثلاثة رجال اغتالوا المتني، وهربوا الى طرابلس ليلتحقوا بـ رشيد كرامي، الذي أمّن إيصالهم الى سوريا. إثر ذلك، اندلعت الثورة"… وهكذا تواصلت سلسلة اغتيالات الصحافيين في لبنان: ففي الخامس من أيار 1966، اغتيل مؤسس جريدة "الحياة" وناشرها كامل مروة، في مكتبه برصاص مسدس كاتم للصوت على يدي ابراهيم قليلات وعدنان سلطاني، بناء لأوامر السرّاج وبإشراف غالب. ولدى عائلة الشهيد مروة ملف مفصّل عن الجهة التي خططت لاغتياله والاسباب التي كمنت وراء هذه الجريمة.

أشكال مختلفة

الاعتداء على الصحافيين اللبنانيين، تنوّع في أشكاله. فمن الاغتيال والترهيب، الى الخطف والسجن. وكان لصحيفة "النهار" الحصّة الأكبر، فقد أُدخِل عميدها غسان تويني السجن مرات عدة بسبب مواقفه، ومناصرته الحرية، ودفاعه عن القضايا الوطنية. وأوّل ملاحقة له كانت في شهر شباط 1948، بسبب نَشره صورة لضبّاط لبنانيين واسرائيليين في سيارة واحدة، أثناء مفاوضات الهدنة. كذلك اعتقل تويني، بعدما أقدمت السلطات اللبنانية على اعدام زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي انطون سعادة في الثامن من تموز 1949، بسبب المقال الشهير الذي كتبه تحت عنوان "سعادة، المجرم الشهيد"، فاعتُقل وشقيقه وليد لمدة شهرين، من أصل عقوبة ثلاثة اشهر، رافضاً توقيع طلب عفو كان يُعرض عليه يومياً. وتوالت التوقيفات لـ تويني الذي وصف السجن بـ"الصديق"، و"كأنّ ألفة نشأت بيننا". وفي 6 كانون الثاني 1951، عاد الى السجن بسبب مقال بعنوان "بَدنا ناكل جوعانين". وفي 4 كانون الاول عام 1973، اوقف لدى النيابة العسكرية بتهمة "إفشاء اسرار الدولة، وتهديد أمنها وعلاقاتها"، بموجب المادة 288 من قانون العقوبات، لنَشره المقررات السرية لمؤتمر القمة العربية.

خطف ميشال ابو جودة

في 4/7/1974، اختطف ميشال ابو جودة، على أيدي مجموعة فلسطينية تنتمي الى منظمة "الصاعقة"، واعتبرَ وليد عون ابن شقيقة ابو جودة، أنّ خاله ميشال ابو جودة "كان الضحية الاولى للنظام السوري، وكانت أوّل عملية خطف يشهدها لبنان، فيتمّ نقل مواطن لبناني الى سوريا وبتواطؤ واضح وفاضِح من اركان القصر الجمهوري اللبناني يومذاك والاجهزة الامنية المشتركة"… وبعد ايام على اختطافه، وبعد تدخّل الزعيم كمال جنبلاط، وياسر عرفات، والرئيس سليمان فرنجية، وعدد من الشخصيات والرؤساء العرب، أُطلق ابو جودة، ونقل الى مستشفى ابو جودة في منطقة جل الديب، حيث عولِج من آثار التعذيب.

اغتيال سليم اللوزي

في شهر شباط من العام 1980،عاد الصحافي سليم اللوزي (صاحب مجلة "الحوادث") الى لبنان، للمشاركة في مأتم والدته. وفي 4 آذار عام 1980، وبينما كان متوجهاً الى المطار مع زوجته أُمية وسائقه، اختطفه حاجز طيّار في محلة الاوزاعي. وبعد ايّام، عَثر احد رعاة الماعز على جثة مُلقاة في أحراج عرمون، فسارع الى ابلاغ مخفر الدرك في المنطقة، ليتبيّن أن الجثة لـ اللوزي، وقد أذيبت يده اليمنى بمادة الأسيد، كرسالة تهديد لجميع الصحافيين الاحرار. وكان اللوزي، من اشد المعارضين للنظام السوري، ووجّه اليه اركان النظام اتهامات عدة، من بينها علاقاته المشبوهة بـ"أنظمة إمبريالية عربية رجعية" وتعاونه مع "الاخوان المسلمين"، ومع ابرز مسؤولي "الاخوان" عصام العطار، إضافة الى دور له مهم في التحريض على حوادث حماة التي وقعت لاحقاً. واتُهِم الفلسطيني محمد حسن اليتيم (ابو القاهر) بقتل اللوزي، وحوكِم امام محكمة جنايات جبل لبنان عام 1985.

… ورياض طه

وفي 23 تموز 1980، وبعد أربعة اشهر تقريباً على اغتيال اللوزي، نالت ايدي الشر والإجرام من نقيب الصحافة اللبنانية رياض طه، عندما اعترض سيارته مسلحون يستقلّون ثلاث سيارات في محلة الروشة في بيروت، واطلقوا النار عليه، وفرّوا، فقُتل طه ومرافقه سهيل خضر الساحلي.

وفي 9 تموز 1985 سقط سمير عاصم سلام، رئيس تحرير مجلة "الفهرس"، مع زوجته وولديه قتلاً في منزلهم في رأس بيروت.

وخلال الحوادث اللبنانية، تعرّض عدد من الصحافيين اللبنانيين للخطف، ومحاولات الاغتيال، كمحاولة اغتيال صاحب جريدة "السفير" الزميل طلال سلمان، وصاحب مجلة "الشراع" الزميل حسن صبرا. كما تعرّض صحافيون اجانب في لبنان للخطف، كمراسل صحيفة "شتيرن" الالمانية كارل روبير ليفر، في محلّة "المنارة" في بيروت.
وفي نهاية الثمانينيات، اختطف الصحافي البريطاني جون مكارثي الذي عاد بعدها الى لبنان، ليشارك في إنتاج افلام وثائقية، حول موضوعات منوعة بالتعاون مع الزميلة تيما خليل، وعدد من الاعلاميين. وكان أكّد، خلال حديث أجريته معه "أنّ لبنان يظلّ بلد الحريات، وبلد الديموقراطية، وانّ الحوادث الدراماتيكية التي يتعرّض لها ما هي الّا محاولات لضرب هذه الحرية المشعّة من لبنان نحو الدوَل المحيطة به".

وخلال فترة الوصاية، وبعد "ثورة الأرز"، عانى عدد من الصحافيين الضغوط والاعتداءات التي طاولتهم، بسبب وقوفهم الى جانب حقوق الانسان، والدفاع عن الحريات، وسيادة البلد، والدعوة الى رفع الهيمنة والوصاية عنه. وبعد خروج القوات السورية من لبنان، في 26 نيسان 2005، تنفّس الجميع الصعداء، وبدأوا يشعرون بنسائم الحرية، مع بداية تفكك النظام الامني. إلّا ان اغتيال الزميل سمير قصير في 2 حزيران 2005، من خلال تفجير عبوّة ناسفة زرعت تحت اسفل سيارته، أحدثَ صدمة وردّة فِعل لدى الاوساط المحلية والعالمية، واعتبر اغتياله بمثابة "انتقام من أبرز محرّكي ثورة 14 آذار". وعادت ايدي الشر من جديد، لتحاول اغتيال الاعلامية الزميلة مي شدياق عصر يوم الاحد في 25 أيلول 2005.

جبران تويني

وبعد مرور وقت طويل على محاولة اغتيال شدياق، واعتقاد البعض انّ مسلسل الاغتيالات قد توقف، عاد النائب جبران تويني الى لبنان، ليكون شهيداً للحرية يوم 12 كانون الاول 2005، عندما فجّر الجناة سيارة مفخخة في منطقة المكلس الصناعية، لحظة مروره بسيارته مع مرافقيه اندريه مراد ونقولا فلوطي، ما أدّى الى استشهادهم.
وما زالت الصحافة اللبنانية تدفع ضريبة حريتها ومقاومتها للظلم، ووقوفها الى جانب القضايا الوطنية والحريات والسيادة والاستقلال. ويبقى الصحافيون مشاريع شهداء، كان آخرهم مصوّر محطة "الجديد" علي شعبان، الذي سقط بينما كانت عدسته تحاول تصوير الحقيقة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل