#adsense

الإنهيار الاجتماعي المهرول… ليس الجنوب وحده!

حجم الخط

صحيفة النهار – نبيل بومنصف

منذ الفشل “التاريخي” الذي مُنيت به الثورة الاجتماعية العارمة في عام 2019، للكثير من العوامل والأسباب التي تستحق مقاربة تفصيلية مستقلة، والتي انتهت بالثورة بعد أن تحولت عمليات حرق وتخريب وأداءات رعاع في وسط بيروت، صار التعبير عن الوجع الاجتماعي في لبنان أقرب إلى التهيب والتردد وتراجع الاقتناع بجدوى الشارع في تحقيق المطالب ولو أن الشارع لم يغب كلياً ولا يزال متنفساً للضيق الاجتماعي والاقتصادي والمالي والمطلبي.

وما زاد في الانحسار التعبيري عن الأزمات الاجتماعية نشوب “حروب الإسناد” على يد “الحزب” منذ 8 تشرين الأول 2023  بما جعل لبنان منذ ثلاثة أعوام حتى الساعة مختصراً بكارثة الحروب والاحتلالات الإسرائيلية المستعادة بلا أفق واضح حيال مصيره القريب والبعيد. كما أن الشبهات الكامنة في توظيف الفريق المسمى ممانعاً للشارع، بما يحجب تبعات الحزب ومسؤولياته في التسبب بكارثة الحروب والاحتلالات، جعلت أي تعبير شارعي عن المطالب بمثابة مغامرة تقدم هدايا طوعية الى فريق يعتمد الإزدواجية الفاقعة في بقائه في السلطة والعمل بدأب على تقويض السلطة وإضعافها في آن واحد.

في ظل هذا الواقع تنمو وتتعاظم كارثة مكتومة بات من غير الممكن تجاهلها، هي كارثة تهميش التداعيات والآثار والانعكاسات الضخمة لحروب لبنان والمنطقة على الواقع والأمن الاجتماعي للبنانيين، في ظل ضيق مالي واقتصادي واجتماعي ينذر ببلوغ الاختناق حدوداً شديدة الخطورة. ذلك أن حرب المضائق بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران واستشراس إيران عبر الحوثيين في استهداف السعودية، تجعلان من أسعار النفط المحلقة الفتيل العالمي لما يشبه حرباً اقتصادية عالمية لا يمكن التكهن بمدى الخطورة الذي ستمضي اليه في قابل الأسابيع والأشهر.

يقع لبنان، بأزماته الموروثة والمحدثة، من أزمة اشتعال أسعار المحروقات، في أشدّ نقاط الضعف والإنهاك للدولة والناس والاقتصاد سواء بسواء، لأن قدرة الاحتواء والمعالجة لدى الدولة توازي الصفر تقريباً كما تثبت الوقائع الجادة. قبل حربي “الحزب” وخلالهما وبعدهما، كانت قدرات الدولة تتضاءل وتنحسر باضطراد مع أفظع انهيارٍ مالي ومصرفي وفضائحي شهده لبنان في تاريخه لجهة انكشاف الفساد السياسي المعشش تحت حماية الوصاية السورية البائدة.

اختلطت في مراحل معينة تبعات الطبقة السياسية الموصومة بغالبيتها بالفساد بتبعات القوى المرتبطة بالوصاية السورية البائدة والنفوذ الإيراني المستمر، فضاعت طاسة المحاسبة المعنوية والتشهيرية على الأقل في بلد استعصت فيه محاكمة من أفقر ملايين اللبنانيين وغير اللبنانيين من المودعين الذي لاذوا عقوداً بنظام مصرفي كان نموذجاً عالمياً في حماية الودائع والمودعين ومحاسبتهم، فتحول نموذجاً كارثياً مفزعاً في إفقارهم. ومع ذلك أتاحت ولادة “الدولة الجديدة” الفرصة لجرعات الأمل باستعادة شيء من الحقوق الضائعة في تراكم الأزمات الاجتماعية كما في واقع الأزمة السيادية.

ومع مجريات الأوضاع في الجنوب بعد حرب الإسناد الثانية على إسم إيران والتي اشتدّت فيها في المقابل وطأة اتساع أشرس احتلال إسرائيلي للجنوب، صار الوضع الاجتماعي لمجموع اللبنانيين في أسوأ مداركه ومستوياته، ولكن الجنوب بمجرياته، حجب قسراً وبخطورة عالية جداً، معالم انهياراتٍ أخرى تتراكم مؤشراتها تباعاً، ويومياً، في كل اتجاهات القطاعات اللبنانية قاطبة. ليست أسعار المحروقات وحدها فتيل انفجار مكتوم لن يدوم حجبه طويلاً، بل ثمة ما يتجاوزها مع انكشاف لبنان عن أحد البلدان المتقدمة بخطورةٍ متدحرجة إلى مراتب البلدان الأكثر فقراً. وبذا لن يبقى الجنوب وحده يختصر كارثة لبنان!

المصدر:
النهار

خبر عاجل