
لم يعد السؤال المناخي الأكثر إلحاحا هو ما إذا كانت حرارة الأرض ستتجاوز 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بل متى سيحدث ذلك، وكم ستبقى الحرارة فوق هذه العتبة، وإلى أي مستوى قد تصل.
فقد حذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن تجاوز 1.5 درجة خلال السنوات المقبلة بات مرجحا للغاية، في ظل استمرار انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
لكن عبور هذه العتبة لا يعني أن الأرض ستنتقل فجأة إلى حالة انهيار شامل، كما لا يعني أن جهود خفض الانبعاثات أصبحت بلا جدوى، فالمخاطر المناخية تتصاعد مع كل جزء إضافي من الدرجة.
ماذا تعني عتبة 1.5 درجة؟
اعتمد اتفاق باريس للمناخ هدف حصر الاحترار عند 1.5 درجة مئوية لتقليل أخطار موجات الحر والفيضانات والجفاف والحرائق وذوبان الجليد وارتفاع مستوى البحار.
ولا يقاس تجاوز الهدف بناء على سنة شديدة الحرارة بمفردها، وإنما وفق متوسط طويل الأجل، لذلك فإن ارتفاع حرارة العالم فوق 1.5 درجة خلال عام واحد لا يعني وحده أن هدف باريس تم تجاوزه بصورة نهائية.
ومع ذلك، فإن تكرار السنوات التي تتخطى العتبة يمثل إشارة إلى اقتراب العالم من تجاوزها على المدى الطويل.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة، سيؤدي استمرار الاحترار إلى زيادة شدة الظواهر الجوية المتطرفة، وتصاعد الضغط على الأنظمة البيئية والأنهار الجليدية والمدن الساحلية المنخفضة.
كما يمكن أن يرفع احتمالات حدوث تغيرات يصعب عكسها، حتى إذا انخفضت درجات الحرارة لاحقا، مثل استمرار ارتفاع مستوى البحر أو فقدان بعض الأنظمة البيئية الحساسة.
1.8 أم 2.6 درجة؟
يفرق التقرير الأممي بين مسارين محتملين، ففي السيناريو الأكثر تفاؤلا، ومع تنفيذ الدول جميع تعهداتها المناخية القائمة، قد تبلغ حرارة الأرض ذروتها عند نحو 1.8 درجة فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.
أما إذا استمرت السياسات الحالية من دون تعزيز كبير، فتشير التقديرات إلى وصول متوسط الاحترار إلى نحو 2.6 درجة بحلول عام 2100.
وقد يبدو الفارق بين 1.8 و2.6 درجة محدودا، لكنه يعني زيادة كبيرة في حجم المخاطر التي تواجه السكان والموارد المائية والإنتاج الغذائي والمدن الساحلية.
ويؤكد عالم المناخ مايكل مان أن كل جزء من الدرجة يمكن تجنبه يجعل العالم في وضع أفضل، فدرجة 1.6 أقل ضررا من 1.7، و1.7 أفضل من 1.8، حتى إذا تعذر البقاء دون العتبة الأصلية.
هل يمكن خفض الحرارة مجددا؟
يرى برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن إعادة الاحترار إلى أقل من 1.5 درجة تظل ممكنة من الناحية التقنية، لكنها شديدة الصعوبة وغير مؤكدة.
ويتطلب ذلك خفض الانبعاثات بسرعة والوصول إلى صافي الصفر، ثم إزالة كميات من ثاني أكسيد الكربون المتراكم في الغلاف الجوي.
ويساعد الوصول إلى صافي الصفر على وقف الارتفاع المستمر في الحرارة إلى حد كبير، لكنه لا يخفضها تلقائيا، ولتحقيق التراجع، ينبغي أن تصبح الانبعاثات “سالبة”، أي إزالة كربون من الجو أكثر مما يطلق إليه.
وتشمل الخيارات زراعة الغابات وتقنيات التقاط ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، إلا أن هذه الوسائل ما تزال محدودة أو مرتفعة التكلفة، ولا يمكن استخدامها بديلا عن خفض الانبعاثات.
وهكذا، لا تمثل 1.5 درجة حافة تنتهي عندها فرص العمل المناخي، لكنها خط تحذير واضح، فكل تأخير يطيل مدة التجاوز، وكل جزء إضافي من الاحترار يرفع كلفة التكيف والخسائر المحتملة.