



رهباننا اللبنانيين، ومنذ أول نذرٍ نذروه، وأسكيمٍ حلَّ درعًا ملائكيًا على رؤوسهم، قد وقَّع السيِّد الرب وكالة غير قابلة للعزل والنقض تثبِّت حقَّ أمانتهم على وقفه اللبناني. كلَّما طلبنا ملكوت الله وبِرَّه كان رهباننا يطلبون قداسة أنفسهم تدعيمًا لأساسات شعبهم، فلا أساسًا لبنانيًا يثبتُ مكانًا وزمانًا من دون دعائم القداسة الشّاملة قداسة الحياة، وقداسة البطولة، والشهادة والحرية. كلَّما تنادينا إلى مكانةٍ وعزَّة وسيادة كان رهباننا يقرأون إنجيل النَّفير العام تذخُّرًا بآية: “من ليس معه سيف، فليبع رادءه ويشتري بثمنه سيف”، وقد أثبتت أزمنة الضّيق الشديد، أنَّهم ولأجل بقائنا أحياءً نرزق، قد باعوا أكثر بكثير من أثوابهم، أيام عرضوا للبيع أديارهم وأملاكهم وأواني كنائسهم كي تثمر حبَّة الحنطة لكلِّ جائع مئة سنبلة.
بصلوات قومات ليلهم الأربعة قد حرسوا حواسنا الكبرى من النعاس والتَّناعس الأثيم، استرسالاً في نوم وتناوم الجبناء المتخاذلين الفارِّين من المواجهات الوجودية، هم الذين يعق على عاتقهم النهوض لقتال الأعداء، المنظور منهم وغير المنظور، ومعسكر تدريبهم هوَّ الذي طالما تدرَّبت فيه أفواج “السَّاهرين للفجر والرقباء للصبح”!
أديار رهبان لبنان هي الحدود الثابتة الدّامغة التَّرسيم، وهيَّ العهود وأعظمها: “إن لم يبني ربُّ البيت فعبثًا يتعب البنَّاؤون”!!
جبرائيل البشير بالعصا والعصيان
هو الأب جبرائيل موسى السبعلي راهب من ثوابت جمهور أخوته رهبان دير مار أنطونيوس قزحيا أواسط القرن التَّاسع عشر. ضمن بيته الوالدي الوفي لبساطة بيوت الضَّيعة اللبنانية والمفروش صبحًا وظهرًا ومساءً بقصيدٍ مريميّ من طلبة العذراء: “يا إناء العبادة الجليلة تضرَّعي لأجلنا”، عرف الفتى أبن موسى السِّبعلي النَّصيب الأفضل للوصول إلى قلب خطِّيبة الروح القدس، مؤمنًا متأكِّدًا بأنَّ “الكنيسة القريبة تشفي”، لكنَّ سيدة سبعله ألهمته بأنَّ خطوبة قلبه على قلبها وعفافه على عفافها ما أروح أحتفاليتها داخل حصون الجزء الثاني من وادي القديسين، فنهض يدفع بخطواته اليقظة إلى ذلك الطريق الضيِّق وصولاً إلى وادي قزحيا، أو قازوحايو، أو كنز الحياة. طالب التَّرهب جبرائيل تلقَّن من تلك الأشيار القزحيّاوية الباسقة الصَّخر، الجليلة الدَّهر موهبة تجاوز كلِّ ما هو لقيصر والاندفاع بعنادٍ إلى جميع ما هو لله. هامةٌ رهبانيَّة مهيبة يهابها الخصم الرَّجيم كلما تواجها على الجبهة الرهبانية الأصعب والأشرس والأخطر، جبهة الطَّاعة، والعِّفة، والفقر. قامة جسديّة شمشوميَّة القوَّة والبسالة كأنَّها شجرة سنديان مترهِّب يقف ويسير ويسجد في الحضرة المتجسَّدة . شديد البأس، موفور البسالة، وقلب مغوار ما عرف الخشية ولا الرَّعشة، هيهات أن تنال من قوَّته الشَّاملة دليلةٌ محتالة، أو دولةٌ محتلَّة… اعتنق الراهب جبرائيل ثالوث الثورة بصوت النور والنار، والانتفاضة بسوط يسوع يسوع على رؤوس منتهكي قدسية هيكل الصَّلاة، كما اعتنق الجرأة من دون حدود كلَّما تجرَّأ غاصبٌ على أقداسه الثلاثة: لبنانه، ورهبانيَّه، وقزحيَّاه، والشاهدة المحلَّفة تلك العصا الجبرائيليّة التاريخيّة التي فجَّ بها قيدوم الرهبان نافوخ ممثِّل سلطان أسطنبول، متصرَّف جبل لبنان رستم باشا، ساعة تواجها داخل سرايا إهدن تأديبًا للطاغية على شتمه وإهانته وسخريته بلبنان، وأرز لبنان، ورهبان لبنان، صدى خبطة الرأس الرستمي العثماني، تردَّد لأبعد من حدود وادي قزحيا وسرايا إهدن، وحتَّى أبعد من جبل لبنان، فاهتزَّت أضلع عرش الصَّدر الأعظم!!
سبعل وراهبها السّبعلي
عروسةٌ خمريّة هي فوق هضبة بلاد الزَّاوية. أجيالها وخوابي خمرتها يتنافسان في سباق أزمنةٍ معتَّقة، داخل طبيعةٍ سبعليَّة غايةٍ في الرَّونق والرَّوعة. بيوتٌ من أصيل وجه العمارة اللبنانيّة، تؤرِّخها حجارة عقدٍ مصلَّبٍ ومستطيل يجاور مداميك الإبداع، ويجايل ما قبل القرن السَّابع عشر. أسطح قرميد ابن أصلٍ مدموغٌ بعلامة النَّحلة مصفوفٍ صفَّة شهد العسل. ولكؤوس قداديس كنائس الزاوية حصص وفيرة من خمور سبعليَّة توقظ الأفراميّات شِعرًا وألحانًا وترتيلاً ومواويل، ودوالي كروم سبعل مواسم عناقيد وقوافٍ شعريَّة تجاوزت مداها السّبعلي القروي، فدنت من العالميّة، وكلامها الجوهري متنسِّك داخل أوراق سنكسار كنيسة “الدير المهجور” على طول مدى أبرشية “ريشتعمود” العريقة في سبعليَّتها!
هذه المشاهد المتقاربة في معظمها مع ما يستلهمه الأيمان عن مشهدية الملكوت الأعلى المرتبط بالطَّبع الجمالي السبعلي وتلك الطبيعة السَّخية في حلاها، كلُّ هذه الدنيا الأيقونية كانت النَّافذة الأعلى المفتوحة على صوت القدوس، يدعو الفتى ابن موسى، كي يسابق موسى الكليم إلى “علَّيقةٍ” نورانيّة الحريق حولها لا يطال إلاَّ القشور والهشير واليباس وهوامش الغرس والزَّرع. الفتى يغادر مهد ولادته ودروب طفولته وبيته الوالدي ليدخل دير ابتدائه الرهباني في دير مار أنطونيوس قزحيا، وروزنامة الدير تدوِّن سيرة جبرائيليٌ رهبانيٌ قزحياويٌ لبنانيٌ تفرَّغت يداه لحرب مقدسة أخذ مبادءها عن ميخايل قائد الحرس السَّماوي وسائر عساكر السَّماء في حربه الضروس مع كلِّ رجيمٍ يحاول إهانة الرب في بلاد أرزه!!
أستلهم مسبحة أسرار الحريّة
مغوار قلعة رهبنة قزحيا العاصيَّة على كلِّ ذي سلطانٌ معطى له من هذا العالم، العصيَّة على طاعةٍ فيها وما فيها… تراءت له مسبحة ثوريَّةٌ كأنَّها كانت في يد أم يسوع الساجدة في حضرة صلبه ثائرةً على أحزان تهمِّش الرجاء وفجيعةٍ تهشِّم الأمل بكسر كلمة الموت وقراره. مسبحة غير مألوفة في مفاهيم صلوات السَّلام، قد يكون هو أحد أوائل المتعمِّقين بأسرارها الفائضة عن وردية أسرار الفرح، وأسرار الحزن، وأسرار المجد، وكأنَّ اكتشاف قديس تحرير الشعوب البابا يوحنا بولس الثاني لمسبحة النور كانت التَّكملة لتلك المسبحة التي استوحى لها عميد حرَّاس حصن قزحيا الأب جبرائيل موسى السّبعلي تسمية مسبحة أسرار الحريّة… وهل الحريّة غير النور، أو النور غير الحرية!
مسبحة خمسة أسرار الحرية صلاها السبعليّ الصنديد وأخوته العصاة على مسؤولين صدموا الدين بالدنيا وألحقوا الدنيا بالدين… صلاَّها يوم تقدَّم أخوته يصعد وأياهم من واديهم الفردوسيِّ إلى جحيم سرايا المتصرفية في إهدن مطلوبين لعدالةٍ عثمانية مدعومةٍ من ذات فئة النَّذر بمئة عذرٍ… صلاَّها لحظة نشل جسد المتصرِّف كعدلة تبن يرفعه إلى ما دون السَّقف ثم يخبطه بالأرض تمسيحًا بمقامه وأوسمته…
صلاَّها يوم 28 أيلول 1877 نهار انعقاد مجلس حربي رهباني في دير سيدة ميفوق بكامل حضور أركان حرب أديار جبيل والبترون… وبمسبحة خمسة أسرار الحرية صلّى الراهب جبرائيل قائدًا أخوته المقاديم إلى فكي الكماشة بين وادي حربا وتلال تحوم لتحرير أخوتهم رهبان دير قزحيا الذين غدرت فيهم حالاتهم المرضية وشيخوختهم وأوقعتهم أسرى الإنكشارية التركية مجرورين بسلاسل حديد وحبال إلى زنازين سرايا بيت الدين، ولحظة عبورهم محلَّة جسر المدفون تذوَّق عسكر السَّلطنة على يد رهبان لبنان أملح الويلات وأمرَّها مذاقًا…
وطوال خمسة عشرة سنة أمضاها راهب عصا قزحيا منفيًا إلى جزيرة قبرص جنبًا الى جنب هو ورئيس رهبانيته أب عام رهبان المقاومة اللبنانية أفرام أبي رعد جعجع البشراوي!!
رهبنة جبرائيل موسى السَّبعلي
شعب أديار لبنان حتَّى لو بلغ عمر 10 تشرين الثاني 2026، فهو لا يزال متولِّه الروح والوجدان برهبان 10 تشرين الثاني 1695، والذَّاكرة ملتهبة تضطًّرم بجمر بخورٍ حَواريّ بألوان أيام أسبوع الحواريين. تستذكر رهبانًا لبسوا كما سلكوا، وسلكوا كما لبسوا… وأولئك القامات السنديانية والوجوه الأرزية وذقون ناذرين تنفرش في حدقة البَّصر كشعاع القربان.
أزياء الليتنة تغزو أديارنا وكنائسنا كهنة ورهبانًا، وبلاغة الواعظين تتعثّر كحجر عثرة، ونحن الموعوظين بتنا لا نسمع إلاَّ بما تراه أعيننا لا ما تسمعه آذاننا…
المكننة تستهلكنا يومًا بعد يوم، وتستنزفنا ساعةً بعد ساعة، تمتصر عروق ترابنا وأرزاقنا وعوائدنا وميراثنا… مماشي الصنايعية في سالف أزمنة دير قزحيا هي الحنين إلى جامعة ليس من مثلها بين عشرات آلاف الجامعات، ملافنتها رهبان مادتهم العلمية الوحيدة: كيف جذور ابن الأرض تسابق جذور الشجر إلى عمق أعماق تراب هو كخبزنا كفاف يومنا وكرامتنا وقداستنا!!!