عشيّة الانتخابات الرئاسية الفرنسية في دورتها الثانية، والتي ستحدّد سيّد الإليزيه المقبل، وسط ترجيح استطلاعات الرأي ارتفاع حظوظ المرشّح الاشتراكي فرنسوا هولاند على منافسه الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي، تُسابِق رئيسة فرع الحزب الاشتراكي الفرنسي في لبنان ريتا معلوف، الوَقت، بصفتها ممثلة هولاند في لبنان ومكّلفة متابعة حملته الانتخابية.
وعلى رغم انشغالاتها، خصت معلوف جريدة "الجمهورية" بهذه المقابلة، بعد أن لمست عدم وضوح في الرؤية لدى قِسم من الناخبين الفرنسيين في لبنان تجاه هولاند، وخشيتهم من برنامجه الاقتصادي، وهواجسهم من فقدان امتيازاتهم.
تخوض ابنة المتن التي أمضَت 23 سنة من عمرها في فرنسا، وتدرّجت في صفوف الحزب الاشتراكي، معركة الانتخابات التشريعية في حزيران المقبل بصِفتها مرشحة الحزب الرديفة لـ جان دانيال شاوي، في انتخابات الدائرة العاشرة من الدوائر المخصّصة لفرنسيي الانتشار، فهي "تنوب عنه إذا استجدّ أيّ مانع يحول دون قيام شاوي بمهامه".
وتوضِح أنّ "الدائرة العاشرة تشمل الفرنسيين في 49 دولة، بينها لبنان وسوريا ودول الخليج ودول أفريقيا الجنوبية والشرقية".
وتصوّب السياسية الشابّة سهامها نحو ساركوزي، وتنتقد بشكل حاد السياسة اليمينية في ما خصّ العمل الثقافي في الخارج، حيث لحق الموازنات الخاصة بالمراكز الثقافية انخفاض لافت، من دون أن تغفل سياسة ساركوزي المالية.
وتقول: "علينا تعزيز الفرانكوفونية، وهذا الأمر يتعلق بصورة فرنسا على المستوى العالمي. ينبغي زيادة عدد المراكز الثقافية في الخارج، وإصلاح وسائل الإعلام المرئية والمسموعة في فرنسا". وتعتبر أنّ الإصلاحات التي قام بها ساركوزي في هذا المجال تفتقر الى الرؤية الإستراتيجية والهدف الواضح، ما أضعف الثقافة الفرنسية للموجودين في دول الانتشار.
وترفض معلوف ما قيل عن افتقار هولاند للخبرة الحكومية، وتوضح أنّه سبق أن كان مستشاراً للرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران، ولرئيس الوزراء الأسبق ليونيل جوسبان،
وكان أحد أهم المشاركين في صنع القرار. إلى جانب ذلك، يشغل هولاند منصب السكرتير الأول للحزب الاشتراكي، و"نجح على مدار 11 سنة في إدارة حزب كان على وشك الانفجار، فأحياه وأعاد له مكانته".
وتقول: "إذا سلّمنا جدلاً بأنّ هولاند لا يملك خبرة في السلطة التنفيذية، فما علينا سوى أن نقارن وضعه بالرئيس الأميركي باراك أوباما مثلاً، الذي لم يكن ايضاً يملك خبرة حكومية قبل انتخابه، بل كان عضواً في الكونغرس فحسب، مثلما هي حال النائب الاشتراكي، وعلى رغم ذلك انتُخبَ رئيساً".
وتشير إلى أنّ هولاند خرّيج المدرسة الوطنية للادارة، ولديه فريق عمل، وسيعمل وفق هذه الذهنية، بخلاف ساركوزي الذي يتخذ قرارته بشكل منفرد، عِلماً أنّه لا يجوز لرجل واحد ان يقرّر مصير فرنسا.
ويضمّ فريق عمل هولاند مدير حملته الانتخابية والوزير السابق للشؤون الأوروبية في حكومة جوسبان بيار موسكفيشي، ورئيس الوزراء السابق لوران فابيوس، المرجّح ان يتولّى حقيبة وزارة الخارجية، بما فيها إدارة المرحلة الاولى التي تمتد لـ100 يوم في حال فوز هولاند، وسيؤدي دوراً كبيراً في رسم صورة المرحلة المقبلة لفرنسا.
وتبدو معلوف متفائلة بأنّ فوز هولاند سيعيد اليسار الى قصر الإليزيه بعد غياب دام 17 عاما، ونراها تدافع بشراسة عن حقبة ميتران، فتقول: "إنّ ابرز الاصلاحات تَمّت في عهده، ولا سيما إلغاء عقوبة الاعدام، وإقرار قانون العقوبات الجديد، وتعزيز اللامركزية، اضافة الى سلسلة إنجازات ثقافية، ومكتسبات لمصلحة الموظفين والعمّال، فضلاً عن دوره في بناء أوروبا الحالية واتفاقية ماستريخت".
وتذكّر بأنّ اليسار قاد حكومة فرنسا في الفترة الممتدة ما بين عامَي 1997 و2002، وأحدثَ إصلاحات في النظام الاقتصادي، أدّت الى انخفاض نسبة البطالة، وتحقيق فائض في مالية الدولة العامة.
وتعتبر أنّ هولاند أصاب بوَصفه ساكوزي بـ"رئيس البطالة الحقيقية". وتقول: "زاد عدد العاطلين من العمل مليوناً خلال 5 سنوات، لا شك في أنّ هناك أزمة مالية عالمية، لكنّ مشكلتنا أنّ ساركوزي يُدير البلد على الطريقة الأميركية ووفق منهج الصفقات، ولا يملك رؤية سياسية".
الدين العام أيضاً زاد 600 مليار يورو، في حين أنّ 750 ألف وظيفة تحطمت في الصناعة جرّاء سياسات اقتصادية خاطئة خلال السنوات العشر الماضية، محمّلةً الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك وزرَها ايضا.
وتقول: "إنّ ساركوزي رئيس الاغنياء، فهو كافأهم ضريبيّاً. فمَن يدفع للدولة أكثر من 60 في المئة من أرباحه، ترجِع له الدولة شيكاً بالمبلغ الباقي، وإذا تجاوزت ضريبته التصاعدية الـ 50 في المئة فإنهم يعيدون إليه الفرق". وتضيف: "كان من الافضل أن يستفيد من هذه الأموال لسدّ الدين وخلق فرَص عَمل ونموّ، بدلَ أن يذهب 612 مليار يورو لمصلحة الاغنياء، ويقوم في المقابل بفرض 24 ضريبة اضافية على الطبقتين الوسطى والفقيرة خلال السنوات الخمس الماضية".
وتوضِح الشابّة التي تخصصت في المالية العامة والاقتصاد، وعملت في مصارف أوروبية وصناديق استثمارية، أنّ جزءاً من برنامج هولاند الاقتصادي، يتضمن اعادة إحياء الصناعة الفرنسية وتنشيطها لتوفير فرَص عمل، ومن بين الخطوات في هذا المجال إنشاء مصرف استثماري لتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي أهملها ساركوزي، وإيلاء الابتكار والأبحاث حيّزاً هاماً، الأمر الذي من شأنه تحفيز النمو وخلق فرَص عمل جديدة.
وتكشف عن خطة هولاند لخَلق عقود عمل جديدة عبر وَصل الشباب بالموظفين في سن الخمسين، كخطوة على طريق تخفيف نسبة البطالة بين الشبّان التي قاربت 30 في المئة.
وتقول: "قبل خمس سنوات من تقاعد الموظف، يتوجّب على الشركات ان تستخدم شاباً ليكون بمثابة مساعد له. وفي هذه الفترة، يدرّب الرجل الخمسيني مساعده. وعندما يتقاعد، يُمسك الشاب من بعده الإدارة. هذا الأمر كفيل بتأمين استقرار وظيفي للشباب، وفي الوقت عينه يحفّز الشركات، من خلال إعفائها من دفع اشتراكات الضمان الاجتماعي".
وتقلّل معلوف من أهمية تصويت الفرنسيين بشكل كبير لأقصى اليمين في الدورة الاولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، ولا تعتبر أنّ تصويت واحد من أصل خمسة لمصلحة رئيسة حزب "الجبهة الوطنية" مارين لوبان، يعني أنّ فرنسا "غَدَت ببساطة دولة عنصرية".
وتقول: "إنّ التصويت لمصلحة لوبان هو مجرّد نقمة فرنسية من الوضع الاقتصادي والنظام السياسي، واستمرار الانقسام بين الأحزاب اليسارية واليمينية". وتضيف: "الفرنسيون عبّروا عن انزعاجهم من خلال تصويت عقابي للنظام. فليس من الضروري أنّ الذي صَوّت لـ لوبان، يكون مؤيّداً لأفكار حزب الجبهة الوطنية وسياسته".
ولا تعوّل على ذهاب أصوات لوبان إلى ساركوزي، مرجحةً أن يصوّت 20 في المئة من أنصارها فقط إلى هولاند. وتقول: "من مصلحة زعيمة اليمين المتشدّد ألّا يعود ساركوزي الى الإليزيه، لأنّ هذا الأمر سيحدث شرخاً وانقساما في حزب "الاتحاد من اجل حركة شعبية"، ولوبان ستستغلّ هذه الثغرة لتعيد خلط الأوراق في اليمين الفرنسي وتعزيز موقعها".
على جبهة يسار الوسط، تتوقّع معلوف أن يصوّت 36 في المئة من أنصار فرانسوا بايرو لمصلحة هولاند، على خلفية جنوح ساركوزي نحو اليمين المتطرّف بعد الدورة الأولى، ما يجعل الوسطيين يميلون نحو هولاند اكثر.
وتقول: "إنّ الوسطيين في حزب ساركوزي، ولا سيما رئيس الوزراء الفرنسي السابق دومنييك دو فيلبان والوزير رشيدة داتي، غير راضين عن النهج الذي سلكه حزب "الاتحاد من اجل حركة شعبية"، بتأييده أفكار"الجبهة الوطنية".
وردّاً على اتهام ساركوزي هولاند، باستغلاله فضيحة تمويل الزعيم الراحل معمر القذافي لحملة ساركوزي في انتخابات 2007، إذ اعتبر الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته أنّ "الحملة الانتخابية لا تبرّر كل شيء"، توَجّهت معلوف إلى ساركوزي بالقول: "المصالح السياسية أيضاً لا تبرّر استقبال القذافي والرئيس السوري بشار الأسد، ومن ثم يعود ويشنّ عليهما الحرب"، وتضيف: "يبدو أنّ ساركوزي تأثر بأساليب الحكام الديكتاتوريين من كثرة استقباله لهم، لدرجة أنّ أفراداً من حزبه لم يتورّعوا عن الاعتداء على الصحافية في موقع "ميديابارت" التي نشرت الوثائق الخاصة بهذه الفضيحة".
وتردّ على تحذير مجلة "الايكونمست"، بأنّ هولاند "سيطبّق سياسة اشتراكية بائدة"، بالتذكير "بدعوة جريدة "الفايننشال تايمز" البريطانية للتصويت لـ هولاند، وتوجيه أهمّ الخبراء الاقتصاديين الفرنسيين والأميركيين رسالة دعم لمرشّح الحزب الاشتراكي".
وتقول: "يؤيّد هولاند ضبط الموازنات، وتحقيق توازن بين سياسة التقشف وتحقيق النمو، وإنّ المسؤولين الأوروبيين مرتاحون الى برامجه الاقتصادية أكثر من ساركوزي".
وتضيف: "إنّ البنك المركزي الاوروبي دعا بدوره الى سياسة تنشيط النمو التي يتبنّاها هولاند".
وتسعى معلوف إلى طمأنة فرنسيي الانتشار، ولا سيما اللبنانيين منهم الذين صوّتوا بغالبيتهم لمصلحة ساركوزي، بأنّ هولاند هو الضمانة للحفاظ على جنسيتهم المزدوجة، وأموالهم وممتلكاتهم على الأراضي الفرنسية.
وتقول: "من غير المنطقي أن يدّعي مُرشّحا الاتّحاد من أجل حركة شعبية في الدائرة العاشرة أنّهما يدعمان الحق في ازدواج الجنسية، في حين أنّ ساركوزي يتحالف مع الجبهة الوطنية الرافضة لهذا الحق". وتذكّر بأنّ لوبان تقدمت برسالة إلى الجمعية الوطنية تطالب فيها بإلغاء الجنسية المزدوجة، وهذا يشكّل خطراً على اللبنانيين، إذا ما تقرّب ساركوزي من مناصري لوبان لكَسب أصواتهم، ما سيجعله يرضخ لسياسة اليمين المتشدد".
وتوضح أنّ ساركوزي أيّد بوضوح ربط الجنسية بالضريبة، بحيث انّ كلّ من لديه جنسية فرنسية، يجب ان يدفع الضريبة أينما تواجد، وقد وقّع أحد وزرائه مشروع قانون يقضي بنزع الجنسية ممّن لا يسدد الضريبة.
في المقابل، سيميّز هولاند ضريبياً بين المقيمين خارج فرنسا، وبين الذين غادروا فرنسا تهرّباً من الضربية.
وتقول: "على سبيل المثال، هناك أشخاص قاموا ببَيع شركاتهم وانتقلوا للعيش في لوكسمبورغ وبروكسل وسويسرا تهرّباً من الضرائب، وقد تعهّد هولاند بأنّه سيعيد التفاوض في شأن المعاهدات الضريبية فقط مع هذه الدول الثلاث، في حين أنّ ساركوزي يريد ان يعيد التفاوض مع جميع البلدان".
وتؤكد معلوف أنّ هولاند تعهّد بإلغاء "مذكرة غيان" التي أصدرها وزير الداخلية الفرنسي كلود غيان في أيار الماضي 2011، والتي تحدّ من عمل الطلّاب الأجانب في فرنسا بعد تخرّجهم، وتمنح الأولوية في الحصول على الوظائف للفرنسيين.
وتنقل عن هولاند قوله: "فرنسا لا يمكن أن تخسر معركة المواهب والكفاءات".
وفيما خصّ الهجرة، تعتبر معلوف أنّ اتهام هولاند بالتساهل في هذا الموضوع هي "ادعاءات ديماغوجية تهدف الى تشويه صورة اليسار، فهو يدعو الى تنظيم وجود المهاجرين وفق رؤية واضحة تتناسب مع حاجات فرنسا".
وتوضح أنّ هولاند يرى ضرورة الحد من الهجرة الاقتصادية الى فرنسا، وخصوصاً في فترة الأزمة الاقتصادية، لكنّه ليس مع الحد من الهجرة الطالبيّة لأغراض الدراسة، إذ يعتبرها "فرصة" للطلاب الأجانب ولفرنسا على السواء، يجب عدم التفريط بها. وتؤكد أنّ هولاند يعتزم محاربة الهجرة غير الشرعية إلى فرنسا، ويرى أنّ التعامل مع موضوع الهجرة مسألة تتعلّق بتطبيق القانون والكرامة، ويجب أن يكون وفق كل حالة.
وحمّلت معلوف ساركوزي مسؤولية "السياسة المتعلقة بالهجرة على مدى عشر سنوات، خمس منها كوزير للداخلية وخمس كرئيس للجمهورية. وخلال هذه السنوات، زاد عدد المهاجرين في فرنسا بمعدل 200 ألف سنويّاً. وساركوزي نفسه كان مؤيّداً لذلك، لكنه بدّل رأيه بهدف التقارب مع اليمين المتطرف".
وتضيف: "يحقّ للأجانب الذين يدفعون الضرائب المشاركة في الانتخابات البلدية والقرارات التي تتعلق بإدارة شؤونهم المحلية واليومية، وهي أفعل طريقة لدمجهم في المجتمع، ونزع ذريعة جنوحهم نحو التطرّف". وتدلّل على فَشل سياسة الإدماج في العهود السابقة.
وفي السياسة الخارجية التي لم تحتل حيّزاً هاماً في حملة الانتخابات الرئاسية، ترى معلوف أنّ ساركوزي ينظر "بعيون أميركية" الى منطقة الشرق الأوسط، بخلاف ميتران الذي اختار طريقاً ثالثاً يجمع ما بين المدرسة الديغولية وخطّه الخاص الذي يتيح لفرنسا إسماع صوتها على الساحة الدولية، وهو ما سيسير عليه هولاند.
وتتهم ساركوزي بالجَري خلف ألمانيا التي أضحَت تهيمِن على أوروبا.
وتطالب بضرورة إعادة موقع فرنسا في أوروبا والعالم الى سابق عهده، فضلاً عن تحقيق التوازن في العلاقات الفرنسية – الألمانية، وتؤكد مدى اقتناع هولاند الشديد بالخيار الأوروبي، وأهمية إعادة رَونق القارة الأوروبية.
وتوضح الشابّة الاشتراكية التي تابعت دراساتها في معهد الدراسات العليا والدفاع الوطني الذي يضمّ مجموعة من الباحثين المرتبطين برئاسة الوزراء الفرنسية، والذين يؤيدون دوراً استشارياً لوزارتي الخارجية والدفاع، أنّ هولاند يدعم التدخل العسكري في سوريا تحت مظلة الأمم المتحدة، لأنّه لم يعد مقبولاً استمرار حمّام الدم، ويساند بشكل أساسي العقوبات على إيران، من دون أن ينكر حقّها في الطاقة النووية لأغراض مدنية وليس عسكرية.
وتقول: "لا يمكننا إلّا أن نسانِد الربيع العربي، الذي يعّبر عن التوق الى الحرية والديموقراطية ورفض حكم الشخص والحزب الواحد، وتحقيق العدالة الاجتماعية"، وتعترف بأنّ العملية الديموقراطية تحتاج الى وقت، "فالثورة الفرنسية مَرّ عليها 100 عام حتى ترسّخت مفاهيمها الديموقراطية، وعلى الناس أن يَعوا أنّ فكرة تداول السلطة تضمن التنوّع والتعددية وحرية المعتقد، في حين أنّ الديكتاتورية تهضم حقوق الأقليات".