لمن يتساءل من اللبنانيين، وهم الأغلبية العظمى من الشعب، عن الشلل الكامل في البلد في الفترة الحالية، جواب واحد لا غير: انها الانتخابات النيابية المقررة في العام المقبل، ولا شيء غيرها.
في السياسة، كما في الاقتصاد والمال والأمن والقضاء والتعيينات الادارية ومقاربة الأوضاع في المنطقة والكلام غير اللائق الذي ينطق به بعض السياسيين الخ…، لا تحرك جديا من قبل الفئة الحاكمة سوى ما يتصل، مباشرة أو مداورة بالانتخابات، بما فيها كما لم يعد خافيا الانتخابات الرئاسية عندما يحين موعدها في وقت لاحق. أكثر من ذلك، فحالة عدم التوازن التي تعاني منها الحكومة ليست بعيدة بدورها عن هذه الانتخابات، وان يكن اللاتوازن هذا في أساس تركيبة الحكومة منذ تشكيلها، بالتآمر المعلن وأسلوب التنفيذ المعروفين، قبل أكثر من عام من الآن.
أما الهدف فهو، كما قال أحدهم في مقابلة تلفزيونية، الامساك بمجلس النواب المقبل كي يشكل مع الحكومة الحالية "الممسوكة" بدورها ما وصفه بـ"الضمانة الفعلية لبقاء المقاومة"… وكما يردد غيره، وان من خلف الكواليس "ضمان عدم التمديد لرئيس الجمهورية" عندما يحين موعد هذا الاستحقاق. ولا يقول الاثنان، ولا طبعا معلمهما الداخلي، ان همهما الانتخابي يرتبط بالوضع في سوريا وما يمكن أن يؤول اليه أمر النظام فيها، لكن حركتهما باتجاه وضع قانون جديد للانتخابات (النسبية، كيفما كان وكيفما اتفق)، ومحاولة تمرير مبلغ الـ8900 مليار ليرة بالرغم من مخالفته الدستور والقوانين، وابتداع "تسويات" مضحكة لضائقة الناس المعيشية (يقول البعض ساخرا انه لا يستبعد قرارا حكوميا بتخفيض صفيحة البنزين من 20 ليترا الى 18 لإبقاء سعرها على حاله، كما حدث بالنسبة لربطة الخبز)، ومنع داتا الاتصالات عن الأجهزة الأمنية في البلد، والتعامل مع النازحين السوريين بوصفهم "ارهابيين ومجرمين" يجب تسليمهم الى سلطات بلادهم، واستباق نتائج التحقيقات بقضية سفينة الأسلحة وغيرها… كل ذلك يشي في الحقيقة بما لا يتحدث الاثنان ولا معلمهما عنه في العلن.
الحال أن كل ما في المشهد اللبناني الراهن، السياسي والاقتصادي الاجتماعي والمالي والأمني والاداري والقضائي، يبدأ وينتهي عند النقطة اياها: الانتخابات النيابية المقبلة. والأنكى، أن الجانب المعلن من الخطة التي بدأت من لحظة تشكيل الحكومة، والتي أخذت صيغتها بعد تصاعد الثورة الشعبية في سوريا واهتزاز النظام فيها، يفترض أن تشرف الحكومة الحالية نفسها على الانتخابات، لكي تعيد انتاج نفسها مرة أخرى من خلال المجلس المفترض الجديد.
وبهذا المعنى، فالمشهد اللبناني هو اعلان متجدد من "قوى الأمر الواقع" في لبنان بأنها تعد نفسها من الآن لأي احتمال في سوريا، وهو اعادة ابلاغ الجميع بأن أحدا لا ينبغي أن يتوهم أن سقوط النظام في سوريا سيؤدي حكما الى تفكك هذه القوى أو انفكاك هيمنتها على البلد. ولعله من هنا، بادر ممثلو هذه القوى في مجلس النواب الى اعادة اعلان ذلك بوضوح، عندما حذروا بصوت عال، أقرب الى الصراخ الذي يخجل أولاد الشوارع منه، من احتمال "الدق بالمقاومة" أو بسلاحها في أي يوم الآن أو في المستقبل.
اللجوء الى أسلوب الهجوم في معرض الدفاع عن المواقع، كما يقال في العلم العسكري.
والمشهد نفسه، بالاضافة الى زيارة نائب الرئيس الايراني محمد رضا رحيمي للبنان واقتراحه توقيع ما وصف بمشاريع "اتفاقات عراقية" معه (تردد أن كلمة بغداد تركت بشكل متعمد على نسخ المشاريع)، يشير الى أن موضوع الانتخابات واستعداد "حزب الله" وحلفائه لها منذ الآن انما يتمان بالتنسيق مع طهران وفي سياق التحوط المشترك من الطرفين لما بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا… التحوط من خلال زيادة الامساك بلبنان، أرضا وحكومة ومجلس نواب ورئاسة جمهورية.
ليس ذلك فحسب، بل ان التصعيد الايراني المستجد في قضية الجزر الاماراتية الثلاث وعسكرتها عبر نقل قوات عسكرية ضخمة اليها لأول مرة منذ احتلالها في سبعينات القرن الماضي، لا يخرج عن كونه حلقة أخرى في الخطة المتعددة الحلقات التي يجري تنفيذها في الفترة الحالية… ثقة بأن النظام السوري آيل الى الزوال مهما تأخرت فترة الاحتضار، أو على سبيل الاحتياط لما بعد سقوطه: توسيع رقعة النفوذ الايراني على مساحة المنطقة، من الخليج الى العراق الى لبنان، استعدادا للتفاوض أو ربما حتى للاشتباك من أجل التفاوض.
ليست قضية الانتخابات المقبلة، قضية حسابات ضيعجية كما قد يظن البعض (العماد ميشال عون، وحتى بعض قوى 14 آذار)، بل هي مسألة اقليمية استراتيجية بامتياز في حسابات "حزب الله" وحليفه الأول في المنطقة، ايران.
في مرحلة ما بعد نظام الأسد في سوريا، لن يكون ممكنا بسهولة، أو أقله من دون انعكاسات سلبية محلية واقليمية ودولية، الغاء نتائج الانتخابات اللبنانية ومفاعيلها على الأرض، كما حدث أكثر من مرة في خلال الفترة السابقة.
واستباقا لهذا الأمر، تعمل "قوى الأمر الواقع " على ألا تترك حجرا الا وتقلبه، كما يقول المثل الانكليزي، في بيئتها أولا وعلى كامل مساحة لبنان السياسي والاقتصادي والمالي والأمني والقضائي والاداري ثانيا، لجعل نتائج الانتخابات تصب في جدولها، واذا في جدول أعمال حليفها الاستراتيجي في المنطقة.
وكل كلام آخر ليس الا من نوع الضباب الذي ينشر في الجو من أجل حجب الرؤية.