حمل معه إلى طرابلس نهجه وخطاباً غير مهادن لدمشق وبرهن أن عليها أن "تعطي" لا أن "تأخذ"
الحريري ينجز المصالحة الطرابلسية في لحظة اضطرار سوري
في ظل الإنجاز الوطني المتمثل بالتوقيع على وثيقة المصالحة الطرابلسية أول من أمس، فإن قراءة متمعّنة في العوامل والمعطيات التي "تدخّلت" في تحقيق هذا الإنجاز، تفرض نفسها، من أجل قطع الطريق على التضليل وقلب الحقائق.
الحريري وخطاب "محاكمة" للنظام السوري
بداية، لا مفرّ من التذكير بأن رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري لم يذهب الى طرابلس لتحقيق المصالحة، مهادناً النظام السوري.
ذهب الحريري الى طرابلس حاملاً خطاباً إتهامياً للنظام السوري بأنه يُعد العدة للتدخل في شمال لبنان. وذهب الى طرابلس معلناً قبل أربع وعشرين ساعة من ذهابه انه من غير المقبول تمكين نظام الأسد من إعادة وضع لبنان في "حضنه". وذهب "مذخَّراً" بموقف لقيادة 14 آذار يشجب "التدخل السوري الفظ" الذي عكسه كلام بشار الأسد في ختام "القمة الرباعية" في دمشق الأسبوع الماضي. وخلال وجوده في طرابلس والشمال، لم يُخفِ سعد الحريري ان سعيه الى المصالحة هو لمنع التدخل السوري ولإسقاط ذرائعه، بل هو "حاكَم" مرحلة سورية سابقة في عاصمة الشمال وفي كل لبنان، وذكّر بالمحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وطمأن اللبنانيين بأنها "على السكة".
إذاً، لم يأتِ الحريري الى الفيحاء مهادناً نظام الأسد، بل بخطاب ذي "نبرة عالية" في هذا المجال. وهذا في حد ذاته ما ينفي أن تكون المصالحة الطرابلسية نتيجة "أثمان" دفعها تيار "المستقبل" في أي مكان أو مجال، أو أن تكون "ثمرة" تراجعات من جانبه أو مساومات في "مكان ما"، كما روج بعض فريق 8 آذار وإعلامه في الأيام الماضية.
خطوط حمر وضغوط أمام بشار وعليه
أما كيف يمكن للمصالحة الطرابلسية أن تتم لو كان قرار النظام السوري بمنعها وتخريبها، فذلك ما لا بد من توضيحه أيضاً.
والتوضيح هنا ينطلق من حقيقة أن المصالحة تمت بالفعل وليست "قيد الدرس"، ومن حقيقة أن حلفاء للنظام السوري شاركوا فيها بالفعل أيضاً.
عدد من الخطوط الحمر وضع "في وجه" عودة نظام دمشق الى التدخل في لبنان من بوابة طرابلس في الشمال. خط أحمر مثله الموقفان السعودي والمصري، حيث كانت المملكة ومصر ـ "على ما يبدو" ـ تلمحان مخططاً سورياً مشبوهاً تجاه طرابلس ولبنان فسارعتا الى تأكيد أن "الباب" مقفل. وخط أحمر فرنسي، عكسه بادئ ذي بدء وزير الخارجية برنار كوشنير أثناء زيارته الى بيروت قبل زيارة الرئيس نيقولا ساركوزي إلى العاصمة السورية، والذي "شدد" على الخط الأحمر بدوره. وخط أحمر نقله رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الى الأسد. وخط أحمر دولي حيث أكدت واشنطن أن النظام السوري ممنوع من التدخل في لبنان. هذا من دون إغفال واقعة أن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة رد مباشرة خلال المؤتمر الصحافي الختامي للقمة الرباعية على قول الأسد إن "الوضع اللبناني لا يزال هشاً" بتأكيد ان الوضع في لبنان يتحسن سياسياً وأمنياً منذ "اتفاق الدوحة".
بكلام آخر، إن المصالحة الطرابلسية أُنجزت في اليومين الماضيين على تقاطع خطوط حمر وضغوط عربية وإقليمية ودولية في وجه النظام السوري وعليه، أي في لحظة "إضطرار" هذا النظام الى مزيد من "التقديم". ومعنى ذلك ان النظام في سوريا "أعطى" ـ مرة أخرى ـ في لبنان مما هو مطلوب منه في اطار "دفتر الشروط" الدولي، ما ينفي كل تحليل أو تقدير بأن ثمة مقابلاً مطروحاً على النظام السوري أن "يأخذه" في لبنان وعلى حساب لبنان.
8 آذار و"إختراع" مصالحة سعودية ـ سورية
إن المقدمات الآنفة تهدف الى وضع المصالحة الطرابلسية في إطارها الصحيح، أي انها تمت من دون مساومات مع النظام السوري بل جرت في ظل خطوط حمر وضغوط على هذا النظام جعلته في "موقع إضطراري" لـ"السماح" بالمصالحة وإجازتها لحلفائه.
وعلى هذا الأساس، يمكن الجزم بأن المصالحة الطرابلسية ليست ترجمة لـ"مصالحة سعودية ـ سورية" سبقتها وليست تعبيراً عن إحتمالات معينة مستقبلية في هذا المجال. إنها ـ أي المصالحة ـ مبادرة لبنانية من سعد الحريري في "لحظة مؤاتية".
بيد ان ثمة جوانب ـ في هذه المصالحة ـ بالغة الأهمية في مضمونها وفي رمزيّتها.
الجانب الأول في هذا السياق، هو ان "وثيقة طرابلس" الموقّعة أول من أمس تستند الى مرجعيات لا لبس فيها ولا غبار عليها. فهي تستند الى "إتفاق الدوحة" وتستعيده. وتستند الى "كنف الدولة" والأمن الشرعي. وتستند الى "روحية" إتفاق الطائف.
"حزب الله" يستلحق
والجانب الثاني هو أن "حزب الله"، الذي يشكل طرفاً رئيسياً ـ بل مباشراً ـ في مشاكل طرابلس، حتى لو كان تدخّله في أحداثها تم بـ"الواسطة"، وجد نفسه في موقع الاضطرار الى "استلحاق" نفسه أي الى إعلان تأييد المصالحة الطرابلسية. وعلى ما يبدو، فإن الاضطرار السوري الى "مجاراة" المصالحة وضع الحزب امام إضطرار المجاراة هو أيضاً.
والجانب الثالث المهم، هو أن المصالحة الطرابلسية، بما هي مصالحة سنية ـ علوية، تمّت بمبادرة من زعيم السنّة (أحد وجوه سعد الحريري) وبقيادته.
مبادرة 14 آذار ودعم سليمان
والجانب الرابع، أنها حصلت ليس فقط "في كنف الدولة" وبرعايتها ممثلة برئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، بل جرت بمبادرة من زعيم الأكثرية، أي بمبادرة من 14 آذار.
والجانب الخامس، هو أن المصالحة الطرابلسية إذ تستجيب لما شدّد عليه رئيس الجمهورية ميشال سليمان بشأن التزامن بين المصالحة والحوار، إنما تمثّل دعماً له في توجهه نحو المزيد من المصالحات على طريق الحوار الوطني.
غاية القول من كل ما تقدم إن قلب الحقائق لا يفيد بعض فريق 8 آذار.
الإنجاز الوطني
فسعد الحريري أقدم على مبادرة المصالحة في امتداد نهج والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وأقدم، وهو الجهة المعتدى عليها بالسلاح، سلاح الفتنة. وأقدم وهو متمسّك بالتعددية السياسية وليس في سياسته أي هدف إلغائي ضد أي جهة في لبنان. لكنه أقدم من موقع قوة سياسية وفي لحظة "مؤاتية". وتظهر وقائع زيارته الى طرابلس أنه لم يسعَ الى استثناء أحد.
فمن يريد أن يرى في مبادرة الحريري ونتائجها تراجعات، يبيع نفسه والآخرين أوهاماً. وفي مطلق الأحوال، إن المصالحة انتصار لطرابلس ولكل لبنان. وهي إنجاز وطني بكل معنى الكلمة، وكيف لا تكون كذلك إذ تقلب صفحة 7 أيار وتزيل مفاعيلها؟